( باب فضل التهجير إلى الظهر )

أي : هذا باب في بيان فضل التهجير إلى صلاة الظهر . التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه يقال : هجر يهجر تهجيرا فهو مهجر ، وهي لغة قليلة حجازية أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة ، وإنما قال : إلى الظهر مع أن لفظ التهجير يغني عنه لزيادة التأكيد ، وعامة نسخ البخاري باب فضل التهجير إلى الظهر ، وعليه شرح ابن التين وغيره ، وفي بعضها باب فضل التهجير إلى الصلاة وعليه شرح ابن بطال ، وهذه النسخة أعم وأشمل .
47 - حدثنا قتيبة ، عن مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له ، ثم قال : الشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم ، والشهيد في سبيل الله . وقال : لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا .

مطابقته للترجمة في قوله : " ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه " وهذا المتن الذي ذكره مشتمل على خمسة أحاديث :
الأول : الذي أخذ الغصن.
الثاني : الشهداء.
الثالث : الاستهام.
الرابع : التهجير.
الخامس : الحبو ، ولم يفرق البخاري بينها كعادته لأجل التراجم ؛ لأن قتيبة حدث به عن مالك هكذا مجموعا .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا غير مرة ، وسمي بضم السين المهملة وفتح الميم مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القريشي المخزومي المدني ، وأبو صالح اسمه ذكوان بالذال المعجمة ، وكان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا قتيبة بن سعيد ، فإنه بغلاني بغلان بلخ من خراسان .
[5/171] ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره )
أخرج البخاري قوله : " لو يعلم الناس ما في النداء " إلى آخره في الصلاة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الشهادات عن إسماعيل ، وأخرجه النسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرقهما ، وعن الحارث بن مسكين ، عن عبد الرحمن بن القاسم سبعتهم ، عن مالك به وأخرج قوله : " بينما رجل يمشي في طريق " الحديث في الصلاة عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في الأدب ، وفي الجهاد عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك ، وأخرجه الترمذي في البر عن قتيبة به ، وقال حديث حسن صحيح .
( ذكر معناه ) قوله : " بينما رجل " قد ذكرنا فيما مضى أن أصل " بينما " بين فأشبعت الفتحة فصارت ألفا وزيدت فيه الميم فصارت بينما ، ويقال : بينا بدون الميم أيضا وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والمبتدأ هنا قوله : " رجل " خصص بالصفة وهي قوله : " يمشي " وخبره قوله : " وجد " .
قوله : " فأخذه " ، وفي رواية الكشميهني " فأخره " أي : فأخره عن طريق قوله : " فشكر الله له " معناه تقبل الله منه وأثنى عليه ، يقال : شكرته وشكرت له بمعنى واحد .
قوله : " الشهداء " جمع شهيد سمي به لأن الملائكة يشهدون موته ، فكان مشهودا ، وقيل : مشهود له بالجنة فعلى هذا يكون الشهيد على وزن فعيل بمعنى مفعول ، وقيل : لأنه حي عند الله حاضر يشهد حضرة القدس ويحضرها ، وقيل : لأنه شهد ما أعد الله له من الكرامات ، وقيل : لأنه ممن يستشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على سائر الأمم المكذبين ، فعلى هذه المعاني يكون الشهيد بمعنى شاهد .
قوله : " خمس " بدون التاء هكذا في رواية أبي ذر عن الحموي ، وفي رواية الباقين خمسة بالتاء وهذا هو الأصل ، ولكن إذا كان المميز غير مذكور جاز الأمران ، وفي رواية مالك في ( الموطأ ) : " الشهداء سبعة " ونقص الشهيد في سبيل الله ، وزاد صاحب ذات الجنب والحريق والمرأة تموت بجمع أي : التي تموت وولدها في بطنها ، وفي رواية أبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث جابر بن عتيك مرفوعا " الشهادة سبعة سوى القتل في سبيل الله : المطعون والغريق وصاحب الجنب والمبطون وصاحب الحريق والذي يموت تحت الهدم والمرأة تموت بجمع " ، وفي حديث ابن ماجه من حديث عكرمة ، عن ابن عباس مرفوعا : " موت الغريب شهادة " وإسناده ضعيف وروى سويد بن سعيد الحدثاني عن علي بن مسهر ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عشق فعف وكتمه ثم مات مات شهيدا " وقد أنكره على سويد الأئمة ، قاله ابن عدي في كامله ، وكذا أنكره البيهقي وابن طاهر ، وقال ابن حبان : من روى مثل هذا عن علي بن مسهر تجب مجانبة روايته ، وسويد بن سعيد هذا وإن كان مسلم أخرج له في صحيحه ، فقد اعتذر مسلم عن ذلك وقال : إنه لم يأخذ عنه إلا ما كان عاليا وتوبع عليه ولأجل هذا أعرض عن مثل هذا الحديث ، وذكر ابن عساكر عن ابن عباس في تعداد الشهداء الشريق وما أكله السبع .
( فإن قلت ) : الشهداء في الصحيح خمسة ، وفي رواية مالك سبعة ، ومع رواية ابن ماجه عن ابن عباس تكون ثمانية ، ومع رواية سويد بن غفلة عن ابن عباس تسعة ، وفي رواية ابن عساكر عنه يكون أحد عشر .
( قلت ) : لا تناقض بينها لأن الاختلاف في العدد بحسب اختلاف الوحي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله : " المطعون " هو الذي يموت في الطاعون أي : الوباء ، ولم يرد المطعون بالسنان لأنه الشهيد في سبيل الله ، والطاعون مرض عام فيفسد له الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان .
قوله : " والمبطون " هو صاحب الإسهال ، وقيل : هو الذي به الاستسقاء ، وقيل : هو الذي يشتكي بطنه ، وقيل : من مات بداء بطنه مطلقا .
قوله : " وصاحب الهدم " هو الذي يموت تحت الهدم ، وقال ابن الجوزي : بفتح الدال المهملة ، وهو اسم ما يقع ، وأما بتسكين الدال فهو الفعل ، والذي يقع هو الذي يقتل ، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل .
قوله : " والشهيد في سبيل الله " هذا هو الخامس من الشهداء ، وقال الطيبي ( فإن قلت ) : خمسة خبر المبتدأ والمعدود هذا بيان له فكيف يصح له في الخامس فإنه حمل الشيء على نفسه ، فكأنه قال : الشهيد هو الشهيد .
( قلت ) : هو من باب :
أنا أبو النجم وشعري شعري
وقال الكرماني : الأولى أن يقال : المراد بالشهيد القتيل ، فكأنه قال : الشهداء كذا وكذا ، والقتيل في سبيل الله .
قوله : " إلا أن يستهموا " أي : إلا أن يقترعوا ، وتقدم الكلام فيه في باب الاستهام في الأذان .
قوله : " ولو حبوا " الحبو حبو الصغير على يديه ورجليه ، وقال ابن الأثير : الحيوان يمشي على يديه وركبتيه أو استه ، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الإعياء ، وحبا الصغير إذا زحف على استه .
[5/172]
( فإن قلت ) : بما انتصب حبوا ؟
( قلت ) : على أنه صفة لمصدر محذوف أي : لأتوهما ولو كان إتيانا حبوا ، ويجوز أن يكون خبر كان المقدر والتقدير ولو كان إتيانكم حبوا .
( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول : فيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق وهي أدنى شعب الإيمان ، فإذا كان الله عز وجل يشكر عبده ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطريق ، فلا يدري ما له من الفضل والثواب إذا فعل ما فوق ذلك.
الثاني : فيه بيان الشهداء والشهيد عندنا من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة أو قتله المسلمون ظلما ولم يجب بقتله دية ، وعند مالك والشافعي وأحمد : الشهيد هو الذي قتله العدو غازيا في المعركة ، ثم الشهيد يكفن بلا خلاف ولا يغسل ، وفي ( المغني ) إذا مات في المعترك فإنه لا يغسل رواية واحدة وهو قول أكثر أهل العلم ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وابن المسيب ، فإنهما قالا : يغسل الشهيد ولا يعمل به ويصلى عليه عندنا ، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعتبة بن عامر وعكرمة وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول والثوري والأوزاعي والمزني وأحمد في رواية ، واختارها الخلال ، وقال مالك والشافعي وإسحاق : لا يصلى عليه ، وهو قول أهل المدينة ، وقال النووي في ( شرح المهذب ) : الجزم بتحريم الصلاة عليه ، وقال ابن حزم : إن شاءوا صلوا عليه وإن شاءوا تركوها ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : الشهيد حكمه أن لا يغسل ولا يصلى عليه ، وهذا الحكم غير ثابت في الأربعة الأول بالاتفاق .
( قلت ) : معناه أنه يكون لهم في الآخرة مثل ثواب الشهداء ، قالوا : الشهداء على ثلاثة أقسام : شهيد الدنيا والآخرة وهو من مات في قتال الكفار بسببه ، وشهيد الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون ، وشهيد الدنيا دون الآخرة وهو من قتل مدبرا أو غل في الغنيمة أو قاتل لغرض دنياوي لا لإعلاء كلمة الله تعالى .
( فإن قلت ) : فإطلاق الشهيد على الأربعة الأول مجاز وعلى الخامس حقيقة ولا يجوز إرادة الحقيقة والمجاز باستعمال واحد .
( قلت ) : جوزه الشافعي ، وأما غيره فمنهم من جوزه في لفظ الجمع ، ومن منعه مطلقا حمل مثله على عموم المجاز ، يعني حمل على معنى مجازي أعم من ذلك المجاز والحقيقة .
( قلت ) : العمل بعموم المجاز هو قول أصحابنا الحنفية.
الثالث : فيه فضيلة السبق إلى الصف الأول والاستهام عليه.
الرابع : فيه فضيلة التهجير إلى الظهر ، وعليه ترجم البخاري ، ولا منافاة بينه وبين حديث الإبراد لأنه عند اشتداد الحر والتهجير هو الأصل وهو عزيمة وذاك رخصة.
الخامس : فضيلة العشاء والصبح لأنهما ثقيلان على المنافقين .