وقال لنا أبو نعيم : حدثنا عبيد الله بن محرز : جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة ، وأقمت عنده البينة أن لي عند فلان كذا وكذا وهو بالكوفة ، وجئت به القاسم بن عبد الرحمن ، فأجازه .

أبو نعيم الفضل بن دكين ، أحد مشايخ البخاري ، نقله عنه مذاكرة . وعبيد الله بن محرز - بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وفي آخره زاي - هو كوفي ، وما له في البخاري سوى هذا الأثر . وموسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة التابعي المشهور ثقة ، وحديثه في الكتب الستة ، وكان ولي القضاء بالبصرة في ولاية الحكم بن أيوب الثقفي ، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، وكان على قضاء البصرة زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وكان لا يأخذ على القضاء أجرا ، وكان ثقة صالحا من التابعين ، لقي جابر بن سمرة ، قيل : إنه مات سنة ست عشرة ومائة .
قوله : " فأجازه " بالجيم أي أمضاه وعمل به . وفي مغني الحنابلة : يشترط في قول أئمة الفتوى أن يشهد بكتاب القاضي إلى القاضي شاهدان عدلان ، ولا يكفي معرفته خط القاضي وختمه ، وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري أنهم قالوا : إذا كان يعرف خطه وختمه قبله ، وهو قول أبي ثور أيضا .
وفي التوضيح : واختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على كتابه ، ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه ، فقال مالك : يجوز ذلك ، ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله بقول الشاهدين : هذا كتابه دفعه إلينا مختوما . وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور : إذا لم يقرأه عليهما القاضي ولم يحرره ، لم يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه . وروي عن مالك مثله .
واختلفوا إذا انكسر ختم الكتاب ، فقال أبو حنيفة وزفر : لا يقبله الحاكم ، وقال أبو يوسف : يقبله ، ويحكم به إذا شهدت به البينة ، وبه قال الشافعي .
[24/239] وكره الحسن وأبو قلابة أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها ؛ لأنه لا يدري لعل فيها جورا .

الحسن هو البصري ، وأبو قلابة - بكسر القاف وتخفيف اللام - هو عبد الله بن زيد الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء .
قوله : " أن يشهد " بفتح الياء ، وفاعله محذوف ، تقديره أن يشهد أحد على وصية إلى آخره .
قوله : " جورا " بفتح الجيم ، وهو في الأصل الظلم ، والمراد به هنا غير الحق ، وقال الداودي : هذا هو الصواب الذي لا شك فيه ؛ أنه لا يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها ، وتعقبه ابن التين ، فقال : لا أدري لم صوبه ، وهي إن كان فيها جور يوجب الحكم أن لا يمضي لا يمض ، وإن كان يوجب الحكم إمضاءه يمض ، ومذهب مالك جواز الشهادة على الوصية ، وإن لم يعلم الشاهد ما فيها .
وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل خيبر إما أن يدوا صاحبكم ، وإما أن تؤذنوا بحرب .

هذا قطعة من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر ، وسيأتي هذا بعد عدة أبواب في باب كتاب الحاكم إلى عماله .
قوله : " إما أن يدوا " أي إما أن يعطوا الدية ، وهو من ودى يدي إذا أعطى الدية ، وأصل يدوا يوديوا ، فحذفت الواو التي هي فاء الفعل في المفرد ؛ لوقوعها بين الياء والكسرة ، ثم حذفت في التثنية والجمع تبعا للمفرد ، ثم نقلت ضمة الياء إلى الدال ، فالتقى ساكنان ، وهما الياء والواو ، فحذفت الياء ، ولم يحذف الواو ؛ لأنه علامة الجمع ، فصار يدوا على وزن يعوا .
وقال الزهري في شهادة على المرأة من وراء الستر : إن عرفتها فاشهد وإلا فلا تشهد .

أي قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في حكم الشهادة على المرأة : إن عرفها الشاهد يشهد لها وعليها ، وإن لم يعرفها فلا يشهد .
قوله : " في شهادة " ويروى " في الشهادة " بالألف واللام .
قوله : " من وراء الستر " إما بالتنقب وإما بغير ذلك ، وحاصله أنه إذا عرفها بأي طريق كان يجوز الشهادة عليها ، ولا يشترط أن يراها حال الإشهاد .
وأثر الزهري هذا وصله ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان عنه . ومذهب مالك جواز شهادة الأعمى في الإقرار ، وفي كل ما طريقه الصوت ، سواء عنده تحملها أعمى ، أو بصيرا ثم عمي . وقال أبو حنيفة والشافعي : لا تقبل إذا تحملها أعمى . ودليل مالك أن الصحابة والتابعين رووا عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب ، وميزوا أشخاصهن بالصوت ، وكذا أذان ابن أم مكتوم ، ولم يفرقوا بين ندائه ونداء بلال إلا بالصوت ، ولأن الإقدام على الفروج أعلى من الشهادة بالحقوق ، والأعمى له وطء زوجته ، وهو لا يعرفها إلا بالصوت ، وهذا لم يمنع منه أحد .
26 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة قال : سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك قال : لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب إلى الروم قالوا : إنهم لا يقرؤن كتابا إلا مختوما ، فاتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتما من فضة كأني أنظر إلى وبيصه ، ونقشه : محمد رسول الله .

مطابقته للترجمة من حيث إنها مشتملة على أحكام منها الشهادة على الخط المختوم ، وهذا الحديث فيه الخط والختم ، وقال الطحاوي : حديث أنس رضي الله تعالى عنه يستفاد منه أن الكتاب إذا لم يكن مختوما فالحجة بما فيه قائمة ؛ لكونه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد أن يكتب إليهم ، قالوا : إنهم لا يقرؤن كتابا إلا مختوما ؛ فلذلك اتخذ خاتما من فضة .
والحديث تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان مطولا في بدء الوحي . وأخرجه هنا عن محمد بن بشار الذي يقال له : بندار ، عن غندر - بضم الغين المعجمة وسكون النون - وهو لقب محمد بن جعفر .
قوله : " وبيصه " بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالصاد المهملة ، أي بريقه ولمعانه .