|
52 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله قال : حدثني خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة ربه ، ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه .
مطابقته للترجمة في قوله : " ورجل قلبه معلق في المساجد " أي : متعلق ، ولو لم يكن للمساجد فضل لم يكن لمن قلبه معلق فيها هذا الفضل العظيم ، وهذا للجزء الثاني من الترجمة وهو قوله : " وفضل المساجد " ويدل على هذا الجزء أيضا قوله : [5/177] " وشاب نشأ في عبادة ربه " لأن من هذه صفته يكون له ملازمة للمساجد بقالبه ، وأما عن قلبه فلا يخلو وإن عرض لقالبه عارض ، وهذا أيضا يدل على فضل المساجد . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمد بن بشار بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة. الثاني : يحيى بن سعيد القطان. الثالث : عبيد الله بتصغير العبد ابن عمر العمري. الرابع : خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف أبو الحارث الأنصاري المدني وهو خال عبيد الله بن عمر المذكور. الخامس : حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهو جد عبيد الله المذكور لأبيه . السادس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه رواية الرجل عن خاله وجده ، وفيه أن رواته ما بين بصريين وهما محمد بن بشار ويحيى والبقية مدنيون ، وفيه أن شيخ البخاري مشهورا ببندار ويحيى مشهور بالقطان ، وفيه عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة من حديث يحيى بن يحيى والترمذي من حديث معن قالا : حدثنا مالك ، عن خبيب ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة أو أبي سعيد ، قال الترمذي : كذا روى غير واحد عن مالك ، وشك فيه ، وقال ابن عبد البر : كل من رواه عن مالك - قال فيه أو أبي سعيد - إلا أبا قرة ومصعبا فإنهما قالا : عن مالك ، عن خبيب ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعا ، وكذا رواه أبو معاذ البلخي عن مالك ، ورواه الوقار زكريا بن يحيى عن ثلاثة من أصحاب مالك عن أبي سعيد وحده ، ولم يتابع . ( قلت ) : الثلاثة هم : عبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم ويوسف بن عمرو بن يزيد ، وفي ( غرائب ) مالك للدارقطني رواه أبو معاذ عن أبي سعيد ، أو عن أبي هريرة ، أو عنهما جميعا أنهما قالا ، فذكره . ( قلت ) : وفيه رد لما ذكره ابن عبد البر . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الزكاة عن مسدد ، وفي الرقاق عن محمد بن بشار ، وفي المحاربين عن محمد بن سلام ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى ، وعن يحيى بن يحيى عن مالك ، وأخرجه الترمذي في الزهد عن سوار بن عبد الله العنبري ومحمد بن المثنى ، وعن إسحاق بن موسى ، وأخرجه النسائي في القضاء ، وفي الرقاق عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به . ( ذكر معناه ) قوله : " سبعة " أي : سبعة أشخاص ، وإنما قدرنا هكذا ليدخل فيه النساء ، فالأصوليون ذكروا أن أحكام الشرع عامة لجميع المكلفين وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلا ما دل الدليل على خصوص البعض . ( فإن قلت ) : ما وجه التخصيص بذكر هذه السبعة ؟ ( قلت ) : التنصيص بالعدد في شيء لا ينفي الحكم عما عداه ، وقد روى مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعا " من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " وهاتان الخصلتان غير الخصال السبعة المذكورة ، فدل على ما قلنا ، وقال الكرماني : وأما التخصيص بذكر هذه السبعة فيحتمل أن يقال فيه ذلك لأن الطاعة إما تكون بين العبد وبين الله أو بينه وبين الخلق ، والأول إما أن يكون باللسان أو بالقلب أو بجميع البدن ، والثاني إما أن يكون عاما وهو العدل أو خاصا ، وهو إما من جهة النفس وهو التحاب أو من جهة البدن أو من جهة المال . انتهى . ( قلت ) : أراد كونه باللسان هو الذكر ، وأراد كونه بالقلب هو المعلق بالمسجد ، وأراد بجهة جميع البدن الناشئ بالعبادة ، وبجهة المال الصدقة ، ومن جهة البدن في الصورة الخاصة هي العفة . قوله : " يظلهم الله " جملة في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ أعني : قوله : " سبعة " ، وقال عياض : إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه . ( قلت ) : إضافة الظل إليه إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا عن غيره كما يقال للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه ، وأما الظل الحقيقي فالله تعالى منزه عنه لأنه من خواص الأجسام ، ويقال : المراد ظل العرش ويؤيده ما رواه سعيد بن منصور بإسناد حسن من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه " سبعة يظلهم الله في ظل عرشه " فذكر الحديث ، ثم كونهم في ظل عرشه يستلزم ما ذكره بعضهم من أن معنى " يظلهم الله " يسترهم في ستره ورحمته ، تقول العرب : أنا في ظل فلان أي : في ستره وكنفه ، وتسمي العرب الليل ظلا لبرده ، ويقال : المراد من الظل ظل طوبى أو ظل الجنة ويرد هذا قوله : " يوم لا ظل إلا ظله " لأن المراد من [5/178] اليوم المذكور يوم القيامة ، والدليل عليه أن عبد الله بن المبارك صرح به في روايته عن عبد الله بن عمر على ما يجيء في كتاب الحدود ، وظل طوبى أو ظل الجنة إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة ، وهذا عام في حق كل من يدخلها ، والحديث يدل على امتياز هؤلاء السبعة من بين الخلق ، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ودنت منهم الشمس ويشتد عليهم حرها ، ويأخذهم العرق ولا ظل هناك لشيء إلا ظل العرش . قوله : " الإمام العادل " خبر مبتدأ محذوف تقديره أحد السبعة الإمام العادل . والكلام فيه من وجوه : الأول : إن قوله : " العادل " اسم فاعل من العدل ، وقال أبو عمر : أكثر رواة ( الموطأ ) رووه عادل ، وقد رواه بعضهم عدل ، وهو المختار عند أهل اللغة ، يقال : رجل عدل ورجال عدل وامرأة عدل ، ويجوز إمام عادل على اسم الفاعل ، يقال : عدل فهو عادل كما يقال : ضرب فهو ضارب ، وقال ابن الأثير : العدل في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل ، وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلا. الثاني : معناه الواضع كل شيء في موضعه ، وقيل : المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق ، وقيل : الجامع بين أمهات كمالات الإنسان الثلاث ، وهي : الحكمة والشجاعة والعفة التي هي أوساط القوى الثلاث أعني : القوة العقلية والغضبية والشهوانية ، وقيل : المطيع لأحكام الله تعالى ، وقيل : المراعي لحقوق الرعية وهو عام في كل من إليه نظر في شيء من أمور المسلمين من الولاة والحكام. الثالث : قدم الإمام العادل في ذكر السبعة لكثرة مصالحه وعموم نفعه ، فالإمام العادل يصلح الله به أمورا عظيمة ، ويقال : ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من إمام عادل ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما حكم قوم بغير حق إلا سلط الله عليهم إماما جائرا . قوله : " وشاب " أي : والثاني من السبعة شاب نشأ في عبادة ربه ، يقال : نشأ الصبي ينشأ نشأ فهو ناشئ إذا كبر وشب ، يقال : نشأ وأنشأ إذا خرج وابتدأ وأنشأ يفعل كذا أي : ابتدأ يفعل ، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان : " شاب نشأ بعبادة الله " وهي رواية مسلم أيضا ، وزاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر : " حتى توفي على ذلك " أخرجه الجوزقي ، وفي حديث سلمان : " أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله " . ( فإن قلت ) : لم خص الثاني من السبعة بالشباب ، ولم يقل : رجل نشأ ؟ ( قلت ) : لأن العبادة في الشباب أشد وأشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات وقوة البواعث على اتباع الهوى . قوله : " ورجل قلبه " أي : الثالث رجل قلبه معلق في المساجد بفتح اللام ، وقال الكرماني : أي : بالمساجد وحروف الجر بعضها يقوم مقام بعض ، ومعناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها . ( قلت ) : رواية أحمد معلق ( بالمساجد ) ، وفي رواية المستملي ( متعلق ) بزيادة التاء المثناة من فوق بعد الميم ومعناه شدة تعلق قلبه بالمساجد ، وإن كان خارجا عنه ، وتعلق قلبه بالمساجد كناية عن انتظاره أوقات الصلوات ، فلا يصلي صلاة ويخرج منه إلا وهو منتظر وقت صلاة أخرى حتى يصلي فيه ، وهذا يستلزم صلاته أيضا بالجماعة . قوله : " ورجلان تحابا " أي : الرابع رجلان تحابا بتشديد الباء الموحدة ، وأصله تحاببا ، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني ، وهو حد الإدغام ، وهو من باب التفاعل ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : التفاعل هو الإظهار إذ أصل الفعل حاصل له وهو منتف ، ولا يريد حصوله نحو تجاهلت . ( قلت ) : قد يجيء لغير ذلك نحو باعدته فتباعد . انتهى . ( قلت ) : التحقيق في هذا أن تفاعل لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحا نحو : تضارب زيد وعمرو فلذلك نقص مفعولا عن فاعل ، وحاصله أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقا بغيره مع أن الغير فعل مثل ذلك ووضع تفاعل لنسبته إلى المشتركين في شيء من غير قصد إلى تعلق له ، فلذلك جاء الأول زائدا على الثاني بمفعول أبدا ، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أن يقال : ورجلان تحاببا من باب المفاعلة لا من باب التفاعل ليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو ، والجواب عنه أن تفاعل قد يجيء للمطاوعة وهي كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعد ، كقولك : باعدته فتباعد ، فقولك : تباعد عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعد ، وهاهنا كذلك ، فإن تحابا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب ، والجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم ؛ لأن معنى ذلك هو الدلالة على أن الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه تفاعل حصل له مع أنه ليس في الحقيقة كذلك ، فمعنى تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه وليس عليه في الحقيقة ، وليس المعنى هاهنا أنه أظهر المحبة من نفسه ، وليس عليه في الحقيقة ، فافهم فإنه موضع دقيق . ( فإن قلت ) : قال : " رجلان " فيكون المذكور ثمانية لا سبعة . [5/179] ( قلت ) : معناه : ورجل يحب غيره في الله ، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين ، فلذلك قال رجلان . قوله : " في الله " أي : لأجل الله لا لغرض دنياوي ، وكلمة " في " قد تجيء للسببية كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : " في النفس المؤمنة مائة إبل " أي : بسبب قتل النفس المؤمنة ، ووقع في رواية حماد بن زيد " ورجلان قال كل منهما للآخر : إني أحبك في الله فصدرا على ذلك " . قوله : " اجتمعا على ذلك " أي : على الحب في الله ، وفي رواية الكشميهني" اجتمعا عليه " أي : على الحب المذكور ، وكذلك الضمير في عليه يعني : كان سبب اجتماعهما حب الله والاستمرار عليه حتى تفرقا من مجلسهما ، كذا قاله الكرماني ولا يحتاج إلى قوله : " حتى تفرقا من مجلسهما " بل المعنى أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أو لا حتى فرق بينهما الموت . قوله : " ورجل طلبته " أي : والخامس رجل طلبته امرأة ، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان " دعته امرأة " وكذا في رواية كريمة ، ولمسلم وللبخاري أيضا في الحدود عن ابن المبارك ، وزاد ابن المبارك : " إلى نفسها " ، وفي رواية البيهقي في ( شعب الإيمان ) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة " فعرضت نفسها عليه " وظاهر الكلام أنها دعته إلى الفاحشة ، وبه جزم القرطبي ، وقيل : يحتمل أن تكون طلبته إلى التزويج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها ، والأول أظهر لوجود قرائن عليه . قوله : " ذات منصب " المنصب بكسر الصاد الحسب والنسب الشريف ، قال الجوهري : المنصب الأصل وكذلك النصاب ، وإنما خصصها بالذكر لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها وهي طالبة لذلك وقد أغنت عن مراودته . قوله : " فقال : إني أخاف الله " زاد في رواية كريمة " رب العالمين " ، وقال القاضي عياض : يحتمل أن يقول ذلك بلسانه زجرا لها عن الفاحشة ، ويحتمل أن يقول بقلبه لزجر نفسه ، قال القرطبي : إنما يصدر ذلك عن شدة الخوف من الله ، والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات . قوله : " ورجل تصدق " أي : والسادس رجل تصدق أخفى بلفظ الماضي وهو جملة وقعت حالا بتقدير قد ، ومفعول أخفى محذوف أي : أخفى الصدقة ، ووقع في رواية أحمد " تصدق فأخفى " ، وكذا في رواية البخاري في الزكاة عن مسدد ، عن يحيى " تصدق بصدقة فأخفاها " ومثله لمالك في ( الموطأ ) ووقع في رواية الأصيلي " تصدق إخفاء " بكسر الهمزة ممدودا على أنه مصدر منصوب على أنه حال بمعنى مخفيا . قوله : " حتى لا تعلم " بضم الميم وفتحها نحو مرض حتى لا يرجونه وسرت حتى تغيب الشمس . قوله : " شماله " مرفوع لأنه فاعل لقوله " لا تعلم " . قوله : " ما تنفق يمينه " جملة في محل النصب على أنها مفعول ، وإنما ذكر اليمين والشمال للمبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة ، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال ولملازمتهما ، ومعناه : لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء ، وقيل : المراد من على شماله من الناس . ثم اعلم أن أكثر الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " ووقع في ( صحيح مسلم ) مقلوبا وهو : حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، وقال عياض : هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من ( صحيح مسلم ) مقلوبا ، والصواب الأول . ( قلت ) : لأن السنة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين ، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة باب الصدقة باليمين ، قال : ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم ، وقال بعضهم : ليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه ، بل هو من شيخه أو شيخ شيخه يحيى القطان ، وقد طول الكلام فيه ولا ينكر الوهم من مسلم ولا ممن هو دونه أو فوقه ، ويمكن أن يكون هذا القلب من الكاتب واستمرت الرواة عليه . قوله : " ورجل " أي : والسابع رجل ذكر الله خاليا أي : من الخلق ؛ لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء ، وقيل : خاليا من الالتفات إلى غيره تعالى ولو كان في الملأ ، ويؤيده رواية البيهقي " ذكر الله بين يديه " ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد " ذكر الله في خلاء " أي : في موضع خال ، وقال بعضهم : " ذكر الله " أي : بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر . ( قلت ) : ليس كذلك لأن الذكر بالقلب من الذكر بضم الذال ، وباللسان من الذكر بكسر الذال ، وأيضا لفظ ذكر بلا قيد لا يكون مشتقا من التذكر ، فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا . قوله : " ففاضت عيناه " وإنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض ؛ لأن الفائض هو الدمع مبالغة كأنها هي الفائض ، وذلك كقوله : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ وقال القرطبي : وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له ، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله ، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه ، ويشهد للأول ما رواه الجوزقي من رواية حماد بن زيد " ففاضت عيناه من خشية الله " . [5/180] ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه فضيلة الإمام العادل ، وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمر رفعه : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " وقال ابن عباس : ما أخفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العذاب ، وما نقص قوم الميكال إلا منعوا القطر ، ولا كثر الربا في قوم إلا سلط الله عليهم الوباء ، وما حكم قوم بغير حق إلا سلط عليهم إمام جائر " فالإمام العادل يصلح الله به . وفيه فضيلة الشاب الذي نشأ في عبادة ربه ، وفي الحديث : " تعجب ربك من شاب ليست له صبوة " . وفيه فضل من سلم من الذنوب واشتغل بطاعة ربه طول عمره ، وقد يحتج به من قال : إن الملك أفضل من البشر لأنهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ وقيل لابن عباس : رجل كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء ، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة ؟ قال : لا أعدل بالسلامة شيئا ، قال تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ وفيه فضيلة من يلازم المسجد للصلاة مع الجماعة ؛ لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي ، وحقيق على المزور إكرام الزائر فكيف بأكرم الكرماء . وفيه فضيلة التحاب في الله تعالى ، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان ، وعند مالك من الفرائض ، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعا أن ذلك من أوثق عرى الإيمان ، وروى ثابت عن أنس رفعه : " ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه " وروى أبو رزين قال : " قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا رزين إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله ، وأحب في الله وأبغض في الله ، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون : اللهم وصله فيك فصله ، ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه " رواه أبو داود مرفوعا . وفيه فضيلة من يخاف الله ، قال الله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى وقال : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وروى أبو معمر ، عن سلمة بن نبيط ، عن عبيد بن أبي الجعد ، عن كعب الأحبار قال : إن في الجنة لدارا درة فوق درة ولؤلؤة فوق لؤلؤة فيها سبعون ألف قصر ، في كل قصر سبعون ألف دار ، في كل دار سبعون ألف بيت لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل ، قال سلمة : فسألت عبيدا عن المحكم في نفسه قال : هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيتعرض له ، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى ، فذلك المحكم في نفسه . وفيه فضيلة المخفي صدقته ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وقالت العلماء : هذا في صدقة التطوع ، فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء ، وأما الواجبة فإعلانها أفضل ليقتدى به في ذلك ويظهر دعائم الإسلام ، وهكذا حكم الصوم فإعلان فرائضها أفضل ، واختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما ؟ حكاه ابن التين وقال القرطبي : وقد سمعنا من بعض المشايخ أن ذلك الإخفاء أن يتصدق على الضعيف في صورة المشترى منه فيدفع له مثلا درهما في شيء يساوي نصف درهم ، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة ، وهو اعتبار حسن ، قيل : إن أراد أن المراد في هذا الحديث هذه الصورة خاصة ففيه نظر ، وإن أراد أن هذا أيضا من صورة الصدقة المخفية فمسلم ، وفي ( مسند أحمد ) رحمه الله من حديث أنس رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن مرفوعا : " إن الملائكة قالت : يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال : نعم الحديد ، قالت : فهل أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالت : فهل أشد من النار ؟ قال : نعم الماء ، قالت : فهل أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالت : فهل أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله " . وفيه فضيلة ذكر الله في الخلوات مع فيضان الدمع من عينيه ، وروى أبو هريرة مرفوعا : " لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع " ، وروى أبو عمران ، عن أبي الخلد قال : " قرأت في مسألة داود عليه الصلاة والسلام ربه تعالى : إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه ؟ قال : أسلم وجهه من لفح النار " ، وروى الحاكم من حديث أنس مرفوعا : " من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة " .
|