690 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو إِسْحَاق ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الله بن يزيد ، قَالَ : حَدَّثَنِي البراء - وَهُوَ غير كذوب - ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قَالَ : ( سَمِعَ الله لمن حمده ) لَمْ يحن أحد منا ظهره حَتَّى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً ، ثُمَّ نقع سجوداً بعده .
قَالَ أبو عَبْد الله : أخبرنا أبو نعيم ، عَن سُفْيَان بهذا ، وإنما أدخلت حَدِيْث مسدد لحال الإخبار
.

هكذا وقع فِي بعض النسخ دون بعض .
ومعناه : أن هَذَا الحَدِيْث سمعه البخاري من أَبِي نعيم ، عَن سُفْيَان - هُوَ : الثوري - بهذا الإسناد ، ولكن معنعناً ، وإنما خرجه عَن مسدد ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان نازلاً ؛ لأنه ذكر فِي حديثه سماع سُفْيَان لَهُ من أَبِي إِسْحَاق ، وسماع أَبِي إِسْحَاق من عَبْد الله بن يزيد ، وسماعه من البراء .
وقوله : ( حَدَّثَنِي البراء وَهُوَ غير كذوب ) ظاهر السياق يقتضي أَنَّهُ من قَوْلِ [4/160] عَبْد الله بن يزيد في حق البراء ، ورجح ذَلِكَ الخطابي وغيره .
وَقَالَ ابن معين وغيره : إنما هُوَ من قَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي حق عَبْد الله بن يزيد ، وقالوا : إن الصَّحَابَة أجل من أن يوصفوا بنفي الكذب .
وهذا ليس بشيء ، ونفي الكذب صفة مدح لا ذم ، وكذلك نفي سائر النقائص ، وقد كَانَ عَلِيّ بن أَبِي طالب يَقُول : والله مَا كذبت ولا كذبت ، فنفى الكذب عَن نفسه ، وأشار إلى نفيه عمن أخبره ، وَهُوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقالت عَائِشَة فِي حق عُمَر وابن عُمَر : إنكم لتحدثون عَن غير كاذبين ولا مكذبين ، ولكن السمع يخطئ .
وأبلغ من هَذَا ، أن الله تعالى نفى عَن نفسه النقائص والعيوب ، كالظلم وإرادته ، والغفلة والنسيان ، وكذلك نفيه للشريك والصاحبة والولد ، وليس فِي شيء من ذَلِكَ نقص بوجه مَا .
وأيضاً ؛ فعبد الله بن يزيد هُوَ الخطمي ، وَهُوَ معدود من الصَّحَابَة ، وله رِوَايَة عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف حسن نفي الكذب عَنْهُ دون البراء ، وكلاهما صحابي ؟ وإن كَانَ البراء أشهر مِنْهُ ، وأكثر رِوَايَة . والله أعلم .
وفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن المأموم يتابع الإمام ، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام ؛ فإن البراء أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لَمْ يحن أحد منهم ظهره حَتَّى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً ، ثُمَّ يسجدون بعده .
وفي رِوَايَة لمسلم فِي هَذَا الحَدِيْث : أنهم كانوا يصلون مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا رفع رأسه من الركوع لَمْ نر أحداً يحني ظهره حَتَّى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته عَلَى الأرض ، ثُمَّ نخر من ورائه سجداً .
[4/161] وهذه صريحة فِي أنهم كانوا لا يشرعون فِي السجود حَتَّى ينهيه النبي صلى الله عليه وسلم .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ) يدل عَلَى أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقيب تكبير الإمام وركوعه وسجوده ، ولا مَعَهُ ولا قبله .
وفي حَدِيْث أَبِي موسى ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ، فتلك بتلك ) .
خرجه مُسْلِم ، وقد سبق ذكره .
وأكثر العلماء عَلَى أن الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام ، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام فِي ذَلِكَ ، وكذلك كَانَ يفعل أبو قلابة وغيره من السلف .
وروى وكيع بإسناده ، عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : لا تبادروا أئمتكم ، فإنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع .
وَهُوَ مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، ورواية عَن مَالِك .
وإن وافقه فِي فعله مَعَهُ كره ، وصحت صلاته عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية ، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك .
ويستثنى من ذَلِكَ صورتان :
إحداهما : تكبيرة الإحرام فِي ابتداء الصلاة ، فإذا كبر مَعَهُ لَمْ تنعقد صلاة المأموم عِنْدَ ابن المبارك والشافعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأبي يوسف .
وَقَالَ أبو حنيفة والثوري والعنبري ومحمد بن الْحَسَن وزفر : تنعقد صلاته بذلك .
وزاد الثوري عليهم ، فَقَالَ : لَوْ كبر مَعَ إمامه وفرغ من تكبيره قَبْلَ فراغ إمامه جاز .
[4/162] ومن الحنفية من جعل تكبيرة الإحرام شرطاً للصلاة كالطهارة والستارة ، ولم يجعلها مِنْهَا .
والصورة الثانية : إذا سلم مَعَ إمامه ، فإنه يجوز مَعَ الكراهة عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية .
ولهم وجه آخر : أَنَّهُ لا يجوز ، وحكي عَن مَالِك .
قَالَ بعض أصحابنا : وهذا قَوْلِ قوي عَلَى قَوْلِ من يعتبر النية للخروج .
وعن مَالِك فِي أصل متابعة المأموم لإمامه ثَلاَثَ روايات :
إحداهن : أنه يستحب أن يكون عمله بعد عمل إمامه ، معاقباً لَهُ ، كقول الشَّافِعِيّ وأحمد .
والثانية : أن عمل المأموم كله مَعَ عمل الإمام : ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه ، مَا خلا الإحرام والتسليم ، فإنه لا يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبير الإمام وسلامه .
وقيل : إنها أصح الروايات عَنْهُ .
والثالثة : أَنَّهُ يكون عمله مَعَ الإمام ؛ مَا خلا ثَلاَثَة أشياء : التحريم والتسليم والقيام من اثنتين ، فإنه يكون بعده .