119 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، قال : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة ، قال : حسبت أنه قال : من حصير في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم ، فقال : قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة .
قال عفان : حدثنا وهيب ، قال : حدثنا موسى ، قال : سمعت أبا النضر عن بسر ، عن زيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .


مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث في صلاة الليل .
( ذكر رجاله ) وهم كلهم ذكروا ، فعبد الأعلى بن حماد بتشديد الميم ابن نصر أبو يحيى ، مر في باب الجنب يخرج ، ووهيب ابن خالد مر في باب من أجاب الفتيا ، وموسى بن عقبة ابن أبي عياش الأسدي ، وسالم أبو النضر بسكون الضاد المعجمة ، وهو ابن أبي أمية مر في باب المسح على الخفين ، وبسر بضم الباء الموحدة ، وسكون السين المهملة ابن سعيد مر في باب الخوخة في المسجد ، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب الوحي مر في باب إقبال الحيض .
[5/266] ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه ثلاثة مدنيون على نسق واحد من التابعين ، أولهم : موسى بن عقبة ، ووهيب بصري ، وعبد الأعلى أصله من البصرة ، سكن بغداد .
وفيه عن سالم أبي النضر ، وروى ابن جريج ، عن موسى فلم يذكر سالما وأبا النضر في هذا الإسناد ، أخرجه النسائي ، وقال : ذكر فيه اختلاف ابن جريج ، ووهيب على موسى بن عقبة في خبر زيد بن ثابت ، أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي ، قال : سمعت حجاجا قال : قال ابن جريج : أخبرني موسى بن عقبة ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " .
أخبرنا أحمد بن سليمان قال : حدثنا عفان بن مسلم قال : حدثنا وهيب ، قال : سمعت موسى بن عقبة ، قال : سمعت أبا النضر يحدث ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " صلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة " ، ثم قال : وقفه مالك ، أخبرنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن ثابت قال : " أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم " : يعني إلا صلاة الجماعة .
( قلت ) : وروي عن مالك خارج الموطأ مرفوعا .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، عن إسحاق ، عن عفان ، وفي الأدب : وقال المكي : حدثنا عبد الله بن سعيد ، وعن محمد بن زياد ، عن محمد بن جعفر ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا ، عن محمد بن المثنى ، عن محمد بن جعفر به ، وعن محمد بن حاتم ، عن بهز بن أسد ، عن وهيب به .
وأخرجه أبو داود فيه عن هارون بن عبد الله ، عن مكي بن إبراهيم به ، وعن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب الفصل الأخير .
وأخرجه الترمذي فيه ، عن بندار ، عن محمد بن جعفر الفصل الأخير منه ، وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن سليمان بن عفان به ، وعن عبد الله بن محمد بن تميم ، عن حجاج ، عن ابن جريج الفصل الأخير منه ، ولما أخرج الترمذي الفصل الأخير قال : وفي الباب عن عمر بن الخطاب ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وابن عمر ، وعائشة ، وعبد الله بن سعيد ، وزيد بن خالد .
( قلت ) : حديث عمر بن الخطاب عند ابن ماجه ولفظه : قال عمر : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم " ، وفيه انقطاع ، وحديث جابر عند مسلم في أفراده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل في بيته نصيبا من صلاته " .
وحديث أبي سعيد عند ابن ماجه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيبا ؛ فإن الله - عز وجل - جاعل في بيته من صلاته خيرا " .
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ، والنسائي في الكبير ، وفي اليوم والليلة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة " .
وحديث ابن عمر أخرجه الشيخان ، وأبو داود ، وابن ماجه .
وحديث عائشة أخرجه أحمد ، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : صلوا في بيوتكم ، ولا تجعلوها عليكم قبورا " .
وحديث عبد الله بن سعيد أخرجه الترمذي في الشمائل ، وابن ماجه قال : " سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد ؟ قال : ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد ، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة " .
وحديث زيد بن خالد أخرجه أحمد ، والبزار ، والطبراني ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صلوا في بيوتكم ، ولا تتخذوها قبورا " .
( قلت ) : مما لم يذكره عن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وصهيب بن النعمان ، أما حديث الحسن فأخرجه أبو يعلى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " .... الحديث ، وأما حديث صهيب بن النعمان فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس ، كفضل المكتوبة على النافلة " .
( ذكر معناه ) قوله : " اتخذ حجرة " بالراء عند الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بالزاي أيضا ، فمعناه شيئا حاجزا : أي مانعا بينه وبين الناس .
قوله : " قد عرفت " ، ويروى : " قد علمت " ، قوله : " من صنيعكم " بفتح الصاد ، وكسر النون ، وفي رواية الكشميهني : " من صنعكم " بضم الصاد ، وسكون النون : أي حرصكم على إقامة صلاة التراويح ، وهذا الكلام ليس لأجل صلاتهم فقط ، بل لكونهم رفعوا أصواتهم ، وسبحوا به ؛ ليخرج إليهم ، وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم ، وسيأتي ذلك في الأدب .
وزاد في الاعتصام : " حتى خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به " قوله : " فإن أفضل الصلاة " إلى آخره ظاهره يشمل جميع النوافل ، قوله : " إلا المكتوبة " : أي الفريضة .
[5/267] ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن صلاة التطوع فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد ، ولو كانت في المساجد الفاضلة التي تضعف فيها الصلاة على غيرها ، وقد ورد التصريح بذلك في إحدى روايتي أبي داود ؛ لحديث زيد بن ثابت ، فقال فيها : " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة " ، وإسنادها صحيح ، فعلى هذا : لو صلى نافلة في مسجد المدينة كانت بألف صلاة على القول بدخول النوافل في عموم الحديث ، وإذا صلاها في بيته كانت أفضل من ألف صلاة ، وهكذا حكم مسجد مكة ، وبيت المقدس ، إلا أن التضعيف بمكة يحصل في جميع مكة ، بل صحح النووي أن التضعيف يحصل في جميع الحرم ، واستثنى من عموم الحديث عدة من النوافل ففعلها في غير البيت أكمل ، وهي ما تشرع فيها الجماعة ، كالعيدين ، والاستسقاء ، والكسوف .
وقالت الشافعية : وكذلك تحية المسجد ، وركعتا الطواف ، وركعتا الإحرام إن كان عند الميقات مسجد ، كذي الحليفة ، وكذلك التنفل في يوم الجمعة قبل الزوال وبعده .
وفيه حجة على من استحب النوافل في المسجد ليلية كانت أو نهارية ، حكاه القاضي عياض والنووي عن جماعة من السلف ، وعلى من استحب نوافل النهار في المسجد دون نوافل الليل ، وحكي ذلك عن سفيان الثوري ومالك .
وفيه ما يدل على أصل التراويح ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلاها في رمضان بعض الليالي ، ثم تركها ؛ خشية أن تكتب علينا ، ثم اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعا مبتدأ ، فقال الإمام حميد الدين الضرير : نفس التراويح سنة ، أما أداؤها بالجماعة فمستحب ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن التراويح سنة لا يجوز تركها .
وقال الشهيد : هو الصحيح ، وفي جوامع الفقه: التراويح سنة مؤكدة ، والجماعة فيها واجبة ، وفي الروضة لأصحابنا : إن الجماعة فضيلة ، وفي الذخيرة لأصحابنا عن أكثر المشايخ : إن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية ، ومن صلى في البيت فقد ترك فضيلة المسجد ، وفي المبسوط : لو صلى إنسان في بيته لا يأثم ؛ فعلها ابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، ونافع ، وإبراهيم ، ثم إنها عشرون ركعة ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، ونقله القاضي عن جمهور العلماء .
وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ، ويوتر بسبع ، وعند مالك : تسع ترويحات بست وثلاثين ركعة غير الوتر ، واحتج على ذلك بعمل أهل المدينة ، واحتج أصحابنا والشافعية والحنابلة بما رواه البيهقي بإسناد صحيح ، عن السائب بن يزيد الصحابي قال : كانوا يقومون على عهد عمر رضي الله تعالى عنه بعشرين ركعة ، وعلى عهد عثمان ، وعلي رضي الله تعالى عنهما مثله .
فإن ( قلت ) قال في الموطأ : عن يزيد بن رومان قال : كان الناس في زمن عمر رضي الله تعالى عنه يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة .
( قلت ) : قال البيهقي : والثلاث هو الوتر ، ويزيد لم يدرك عمر ؛ ففيه انقطاع
.
( فائدة ) استثناء المكتوبة مما يصلى في البيوت هو في حق الرجال دون النساء ، فإن صلاتهن في البيوت أفضل ، وإن أذن لهن في حضور بعض الجماعات ، وقد قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في الحديث الصحيح : " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن وبيوتهن خير لهن " .
أخرى قوله : " في بيوتكم " يحتمل أن يكون المراد بذلك إخراج بيوت الله تعالى ، وهي المساجد ، فيدخل فيه بيت المصلي ، وبيت غيره ، كمن يريد أن يزور قوما في بيوتهم ونحو ذلك .
ويحتمل أن يريد بيت المصلي دون بيت غيره ، وهو ظاهر قوله في الرواية الأخرى : " أفضل صلاة المرء في بيته " فيخرج بذلك أيضا بيت غير المصلي .
أخرى اختلف في المراد بقوله في حديث ابن عمر : " صلوا في بيوتكم " فقال الجمهور فيما حكاه القاضي عنهم : إن المراد في صلاة النافلة استحباب إخفائها قال : وقيل هذا في الفريضة ، ومعناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ؛ ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة ، وعبيد ، ومريض ونحوهم .
قال النووي : والصواب أن المراد النافلة ، فلا يجوز حمله على الفريضة .
أخرى إنما حث على النوافل في البيوت ؛ لكونها أخفى وأبعد من الرياء ، وأصون من المحبطات ، وليتبرك البيت بذلك ، وتنزل فيه الرحمة ، والملائكة ، وتنفر منه الشياطين ، والله تعالى أعلم .