بسم الله الرحمن الرحيم .
( أبواب صفة الصلاة )


لما فرغ من بيان أحكام الجماعة والإقامة وتسوية الصفوف المشتملة على مائة واثنين وعشرين حديثا ، الموصول من ذلك [5/268] ستة وتسعون حديثا ، والمعلق ستة وعشرون ، وعلى سبعة عشر أثرا من الصحابة والتابعين شرع في بيان صفة الصلاة بأنواعها ، وسائر ما يتعلق بها بتفاصيلها فقال :
( باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة )

أي هذا باب في بيان إيجاب تكبيرة الإحرام ، ثم الواو في " وافتتاح الصلاة " قال بعضهم : الظاهر أنها عاطفة إما على المضاف وهو إيجاب ، وإما على المضاف إليه وهو التكبير ، والأول أولى إن كان المراد بالافتتاح الدعاء ؛ لأنه لا يجب ، والذي يظهر من سياقه أن الواو بمعنى مع ، وإن المراد بالافتتاح الشروع في الصلاة انتهى .
( قلت ) : لا نسلم أن الواو هنا عاطفة ، فلا يصح قوله : إما على المضاف ، وإما على المضاف إليه ، بل الواو هنا : إما بمعنى باء الجر ، كما في قولهم : أنت أعلم ومالك ، والمعنى : إيجاب التكبير بافتتاح الصلاة ، وإما بمعنى لام التعليل ، والمعنى إيجاب التكبير لأجل افتتاح الصلاة ، ومجيء الواو بمعنى لام التعليل ذكره الخارزنجي ، ويجوز أن تكون بمعنى مع : أي إيجاب التكبير مع افتتاح الصلاة ، ومجيء الواو بمعنى مع شائع ذائع .
ثم اعلم أنه كان ينبغي أن يقول : باب وجوب التكبير ؛ لأن الإيجاب هو الخطاب الذي يعتبر فيه جانب الفاعل ، والوجوب هو الذي يعتبر فيه جانب المفعول ، وهو فعل المكلف ، وإطلاق الإيجاب على الوجوب تسامح .
واختلف العلماء في تكبيرة الإحرام ، فقال أبو حنيفة : هي شرط ، وقال مالك والشافعي وأحمد : ركن ، وقال ابن المنذر : قال الزهري : تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير ، قال أبو بكر : ولم يقل به غيره .
قال ابن بطال : ذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام ، وذهبت طائفة إلى أنها سنة ، روي ذلك عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، والحكم ، والزهري ، والأوزاعي وقالوا : إن تكبير الركوع يجزيه عن تكبير الإحرام ، وروي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه سنة ، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنه واجب على كل واحد منهما ، وأن من نسيه يستأنف الصلاة ، وفي المغني لابن قدامة : التكبير ركن ، لا تنعقد الصلاة إلا به ، سواء تركه سهوا أو عمدا ، قال : وهذا قول ربيعة ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وحكى الثوري ، وأبو الحسن الكرخي الحنفي عن ابن علية ، والأصم كقول الزهري في انعقاد الصلاة بمجرد النية بغير تكبير .
وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة : قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله ، وعكس آخرون فقالوا : كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقا ، منهم ابن شهاب ، وابن المسيب ، وأجازوا الإحرام بالنية ؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الأعمال بالنيات " .
والجمهور أوجبوها خاصة دون ما عداها ، واختلف مذهب مالك هل يحملها الإمام عن المأموم أم لا ؟ فيه قولان في المذهب .
ثم اختلف العلماء هل يجزئ الافتتاح بالتسبيح والتهليل مكان التكبير ، فقال مالك ، وأبو يوسف ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : لا يجزئ إلا الله أكبر ، وعن الشافعي أنه يجزئ الله الأكبر ، وقال أبو حنيفة ، ومحمد : يجوز بكل لفظ يقصد به التعظيم ، وذكر في الهداية قال أبو يوسف : إن كان المصلي يحسن التكبير لم يجز إلا الله أكبر ، أو الله الأكبر ، أو الله الكبير ، وإن لم يحسن جاز .
وقال بعضهم : استدل بحديث عائشة : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير " ، وبحديث ابن عمر : " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة " على تعيين لفظ التكبير دون لفظ غيره من ألفاظ التعظيم ، وكذلك استدلوا بحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته ، أخرجه أبو داود : " لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ ، فيضع الوضوء مواضعه ، ثم يكبر " .
وبحديث أبي حميد : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة عقد قائما ، ورفع يديه ، ثم قال : الله أكبر " أخرجه الترمذي .
( قلت ) : التكبير هو التعظيم من حيث اللغة ، كما في قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي عظمنه ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي فعظم ، فكل لفظ دل على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به ، ومن أين قالوا : إن التكبير وجب بعينه حتى يقتصر على لفظ أكبر ، والأصل في خطاب الشرع أن تكون نصوصه معلومة معقولة ، والتقييد خلاف في الأصل على ما عرف في الأصول ، وقال تعالى : وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وذكر اسمه تعالى أعم من أن يكون باسم الله ، أو باسم الرحمن ، فجاز الرحمن أعظم ، كما جاز الله أكبر ؛ لأنهما في كونهما ذكرا سواء قال الله تعالى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال – صلى الله عليه وسلم - : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " فمن قال : [5/269] لا إله إلا الرحمن أو العزيز كان مسلما ، فإذا جاز ذلك في الإيمان الذي هو أصل ففي فروعه أولى ، وفي سنن ابن أبي شيبة ، عن أبي العالية أنه سئل : بأي شيء كان الأنبياء عليهم السلام يستفتحون الصلاة ؟ قال : بالتوحيد ، والتسبيح ، والتهليل .
وعن الشعبي قال : بأي شيء من أسماء الله تعالى افتتحت الصلاة أجزأك ، ومثله عن النخعي ، وعن إبراهيم : إذا سبح أو كبر أو هلل أجزأ في الافتتاح .
والجواب عن حديث رفاعة أنه – صلى الله عليه وسلم - قد أثبتها صلاة ، ونفى قبولها ، ويجوز أن تكون جائزة ، ولا تكون مقبولة ؛ إذ لا يلزم من الجواز القبول ، وعندهم لا تكون صلاة فلا حجة فيه .
120 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا ، فجحش شقه الأيمن ، قال أنس رضي الله عنه : فصلى لنا يومئذ صلاة من الصلوات وهو قاعد ، فصلينا وراءه قعودا ، ثم قال لما سلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد .

هذا الحديث أخرجه البخاري في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، وبينهما تفاوت في بعض الألفاظ ، فهناك : " ركب فرسا فصرع عنه فجحش " ، وهناك بعد قوله : " وراءه قعودا فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام " ، وليس هناك ، " وإذا سجد فاسجدوا " ، وفي آخره هناك : " وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " وفي نفس الأمر هذا الحديث والذي بعده في ذلك الباب حديث واحد ، فالكل من حديث الزهري ، عن أنس رضي الله تعالى عنه .
فإذا كان الأمر كذلك ففي الحديث الذي يتلوه : " وإذا كبر فكبروا " ، وهو مقدر أيضا في هذا الحديث ؛ لأن قوله : " إذا ركع فاركعوا " يستدعي سبق التكبير بلا شك ، والمقدر كالملفوظ ، فحينئذ يظهر التطابق بين ترجمة الباب ، وبين هذين الحديثين ؛ لأن الأمر بالتكبير صريح في أحدهما مقدر في الآخر ، والأمر به للوجوب ، فدل على الجزء الأول من الترجمة ، وهو قوله : باب إيجاب التكبير .
وأما دلالته على الجزء الثاني ، وهو قوله : وافتتاح الصلاة فبطريق اللزوم ؛ لأن التكبير في أول الصلاة لا يكون إلا عند افتتاحها ، وافتتاحها هو الشروع فيها ، فإذا أمعنت النظر فيما قلت عرفت أن اعتراض الإسماعيلي على البخاري هاهنا ليس بشيء ، وهو قوله : ليس في حديث شعيب ذكر التكبير ، ولا ذكر الافتتاح .
ومع هذا فحديث الليث الذي ذكره إنما فيه : " إذا كبر فكبروا " ليس فيه بيان إيجاب التكبير ، وإنما فيه بيان إيجاب التي يكبرون بها لا يسبقون إمامهم بها ، ولو كان ذلك إيجابا للتكبير بهذا اللفظ لكان قوله : " وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد " إيجابا لهذا القول على المؤتم انتهى .
وقد قلنا : إن هذه الأحاديث الثلاثة في حكم حديث واحد ، وقد بينا وجهه ، وأنه يدل على وجوب التكبير ، وبطريق اللزوم يدل على افتتاح الصلاة ، وقوله : وليس فيه بيان إيجاب التكبير ممنوع ، وكيف لا يدل وقد أمر به – صلى الله عليه وسلم - ، وعن هذا قال ابن التين ، وابن بطال : تكبيرة الإحرام واجبة بهذا اللفظ ، أعني بقوله : " فكبروا " ؛ لأنه ذكر تكبيرة الإحرام دون غيرها من سائر التكبيرات ، والأمر للوجوب ، وقوله : ولو كان ذلك إيجابا إلى آخره قياس غير صحيح ؛ لأن التحميد غير واجب على المؤتم بالإجماع ، ولا يضر ذلك إيجاب الظاهرية إياه على المؤتم ؛ لأن خلافهم لا يعتبر ، ولئن سلمنا ذلك فيمكن أن يكون البخاري أيضا قائلا بوجوب التحميد ، كما يوجبه الظاهرية .
فإن ( قلت ) : روي عن الحميدي أنه قال بوجوبه ( قلت ) : يحتمل أنه لم يكن اطلع على كون الإجماع فيه على عدم الوجوب ، وعرفت أيضا أن قول صاحب ( التلويح ) : وافتتاح الصلاة ليس في ظاهر الحديث ما يدل عليه ليس بشيء أيضا ؛ لأنه نظر إلى الظاهر ، ولو غاص فيما غصناه لم يقل بذلك ، والكرماني أيضا تصرف وتكلف هنا ، ثم توقف ، فاستشكل دلالته على الترجمة حيث قال أولا : الحديث دل على الجزء الثاني من الترجمة ؛ لأن لفظ إذا صلى قائما يتناول لكون الافتتاح في حال القيام ، فكأنه قال : إذا افتتح الإمام الصلاة قائما فافتتحوا أنتم أيضا قياما ، إلا أن تكون الواو بمعنى مع ، والغرض بيان إيجاب [5/270] التكبير عند افتتاح الصلاة ، يعني لا يقوم مقامه التسبيح والتهليل ، فحينئذ دلالته على الترجمة مشكل ، انتهى .
( قلت ) : قوله : والغرض إلى آخره غير صحيح ؛ لأن الغرض ليس ما قاله ، بل الغرض بيان وجوب نفس تكبيرة الإحرام للوجه الذي ذكرنا ، خلافا لمن نفى وجوبها ، ثم قال الكرماني : وقد يقال : عادة البخاري أنه إذا كان في الباب حديث دال على الترجمة يذكره ، وبتبعيته يذكر أيضا ما يناسبه ، وإن لم يتعلق بالترجمة انتهى .
( قلت ) : هذا جواب عاجز عن توجيه الكلام على ما لا يخفى .
ثم اعلم أنا قد تكلمنا على ما يتعلق بهذا الحديث مستقصى في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، وشيخ البخاري أبو اليمان ، هو الحكم بن نافع البهراني الحمصي ، وشعيب هو ابن أبي حمزة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب .
( ومن لطائف إسناده ) أنه من رباعيات البخاري ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبلفظ الإخبار في موضع بصيغة الجمع ، وفي موضع بصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه رواية حمصيين ومدنيين .