|
152 - حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين
مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم ستة الأول : أبو عاصم الضحاك بن مخلد بفتح الميم النبيل البصري ، [6/24] الثاني : عبد الملك بن جريج ، الثالث : عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضم الميم ، واسمه زهير بن عبد الله المكي الأحول ، الرابع : عروة بن الزبير بن العوام ، الخامس : مروان بن الحكم بن العاص أبو الحكم المدني ، قال الذهبي : ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج إلى الطائف مع أبيه وهو طفل ، السادس : زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول مكررا ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني ، وفيه عن ابن أبي مليكة ، وفي رواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، حدثني ابن أبي مليكة ، ومن طريقه أخرجه أبو داود وغيره ، وفيه عن عروة ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد ، عن ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة ، أخبرني عروة أن مروان أخبره . ذكر من أخرجه غيره ، أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة ، عن أبي عاصم بن علي ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، عن ابن جريج . ذكر معناه . قوله : " قال لي زيد بن ثابت " إلى آخره ، قال ذلك حين كان مروان أميرا على المدينة من قبل معاوية . قوله : " مالك " استفهام على سبيل الإنكار . قوله : " بقصار المفصل " هكذا هو في رواية الكشميهني ، وفي رواية الأكثرين بقصار بالتنوين لقطعه عن الإضافة ولكن التنوين فيه بدل عن المضاف إليه ، أي بقصار المفصل ، ووقع في رواية النسائي بقصار السور والمفصل السبع السابع ، سمي به لكثرة فصوله ، وهو من سورة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل من الفتح وقيل من قاف إلى آخر القرآن ، وقصار المفصل " من : لَمْ يَكُنِ " إلى آخر القرآن ، وأوساطه من : وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ إلى : لَمْ يَكُنِ وطواله من سورة محمد أو من الفتح إلى : وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ قوله : " بطولى الطوليين " طولى بضم الطاء على وزن فعلى تأنيث أطول ككبرى تأنيث أكبر ، ومعناه أطول السورتين الطويلتين ، وقال التيمي : يريد أطول السورتين ، وقوله الطوليين بضم الطاء تثنية طولى ، وهكذا هو رواية الأكثرين ، وفي رواية كريمة " بطول الطوليين " بضم الطاء وسكون الواو وباللام فقط ، وقال الكرماني : المراد بطول الطوليين طول الطويلتين إطلاقا للمصدر وإرادة للوصف ، أي كان يقرأ بمقدار طول الطوليين اللذين هما البقرة والنساء والأعراف ، قلت : لا يستقيم هذا لأنه يلزم منه أن يكون يقرأ بقدر السورتين ، وليس هذا بمراد ، ووقع في رواية أبي الأسود ، عن عروة بأطول الطوليين : المص ، وفي رواية أبي داود قال : قلت : ما طول الطوليين ؟ قال : الأعراف ، قال : وسألت أنا ابن أبي مليكة فقال لي من قبل نفسه : المائدة والأعراف ، وبين النسائي في رواية له أن التفسير من عروة ، وفي رواية الجوزقي من طريق عبد الرحمن بن بشر ، عن عبد الرزاق مثل رواية أبي داود إلا أنه قال الأنعام بدل المائدة ، وعند أبي مسلم الكجي ، عن أبي عاصم يونس بدل الأنعام ، أخرجه الطبراني وأبو نعيم في المستخرج ، فمن هذا عرفت أنهم اتفقوا على تفسير الطولى بالأعراف ، ووقع الاختلاف في الأخرى على ثلاثة أقوال ، والمحفوظ منها الأنعام ، وقال ابن بطال : البقرة أطول السبع الطوال ، فلو أرادها لقال : طول الطوال ، فلما لم يردها دل على أنه أراد الأعراف لأنها أطول السور بعد البقرة ، ورد عليه بأن النساء أطول من الأعراف ، قلت : ليس للرد وجه لأن الأعراف أطول السور بعد لأن البقرة مائتان وثمانون وست آيات وهي ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة وخمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف ، وسورة آل عمران مائتا آية وثلاثة آلاف وأربعمائة وإحدى وثمانون كلمة وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفا ، وسورة النساء مائة وخمس وسبعون آية وثلاث آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة وستة عشر ألفا وثلاثون حرفا ، وسورة المائدة مائة واثنتان وعشرون آية وألف وثمانمائة كلمة وأربع كلمات وأحد عشر ألفا وسبع مائة وثلاثة وثمانون حرفا ، وسورة الأنعام مائة وست وستون آية وثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة واثنا عشر ألف حرف وأربع مائة واثنان وعشرون حرفا ، وسورة الأعراف مائتان وخمس آيات عند أهل البصرة وست عند أهل الكوفة وثلاث آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة وأربعة عشر ألف حرف وعشرة أحرف ، وقال الكرماني : فإن قيل البقرة أطول السبع الطوال أجيب بأنه لو أراد البقرة لقال بطولى الطوال ، فلما لم يقل ذلك ؟ دل على أنه أراد الأعراف وهي أطول السور بعد البقرة ، ثم قال الكرماني : أقول فيه نظر لأن النساء هي الأطول بعدها ، قلت : هذا غفلة منه وعدم تأمل ، والجواب المذكور موجه ، وقد عرفت التفاوت بين هذه السور الست فيما ذكرناه الآن . [6/25] ذكر ما يستفاد منه : فيه حجة على الشافعي في ذهابه إلى أن وقت المغرب قدر ما يصلى فيه ثلاث ركعات ، وهو قوله الجديد ، وإذا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الأعراف يدخل وقت العشاء قبل الفراغ منها فتفوت صلاة المغرب ، قاله الخطابي ثم قال : وتأويله أنه قرأ في الركعة الأولى بقدر ما أدرك ركعة من الوقت ثم قرأ باقيها في الثانية ، ولا بأس بوقوعها خارج الوقت ، قلت : هذا تأويل فاسد لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على هذا الوجه ، وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالسورة بعضها ، قلت : وإلى هذا الوجه مال الطحاوي حيث قال : يدل على صحة هذا التأويل أن محمد بن خزيمة قد حدثنا قال : حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون ، وروي أيضا من حديث أنس قال : " كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله " وروي أيضا من حديث علي بن بلال قال : " صليت مع نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار ، فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب ثم ينطلقون فيرتمون لا يخفى عليهم موقع سهامهم حتى يأتوا ديارهم " وهو أقصى المدينة في بني سلمة ، ثم قال : لما كان هذا وقت انصراف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك قد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها ، وقد أنكر على معاذ حين صلى العشاء بالبقرة مع سعة وقتها ، فالمغرب أولى بذلك ، فينبغي على هذا أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وهو قول أصحابنا ومالك والشافعي وجمهور العلماء انتهى ، قلت : قيل قراءة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست كقراءة غيره ، ألا تسمع قول الصحابي : ما صليت خلف أحد أخف صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يقرأ بالستين إلى المائة ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم : " إن داود عليه الصلاة والسلام كان يأمر بدوابه أن تسرح فيقرأ الزبور قبل إسراجها " فإذا كان داود عليه السلام بهذه المثابة فسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أحرى بذلك وأولى ، وأما إنكاره على معاذ فظاهر لأنه غيره ، فإن قلت : قيل لعل السورة لم يكمل إنزالها ، فقراءته إنما كانت لبعضها ، قلت : جماعة من المفسرين نقلوا الإجماع على نزول الأنعام والأعراف بمكة شرفها الله تعالى ، ومنهم من استثنى في الأنعام ست آيات نزلن بالمدينة . وفيه حجة لمن يرى باستحباب القراءة في صلاة المغرب بطولى الطوليين وهم : حميد وعروة بن الزبير وابن هشام والظاهرية ، وقالوا : الأحسن أن يقرأ المصلي في المغرب بالسورة التي قرأها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نحو الأعراف والطور والمرسلات ونحوها ، وقال الترمذي : ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات ، وقال الشافعي : لا أكره بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب ، وقال ابن حزم في المحلى : ولو أنه قرأ في المغرب الأعراف أو المائدة أو الطور أو المرسلات فحسن ، قلت : فعلى هذا عند مالك إذا كره قراءة نحو المرسلات والطور في المغرب ، فإذا قرأ نحو الأعراف فالكراهة بالطريق الأولى ، وإذا استحب الشافعي قراءة هذه السور في المغرب فيدل ذلك على أن وقت المغرب ممتد عنده ، وعن هذا قال الخطابي : إن للمغرب وقتين ، وقال الطحاوي : المستحب أن يقرأ في صلاة المغرب من قصار المفصل ، وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم ، قلت : هو مذهب الثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك وإسحاق ، وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالتين والزيتون " وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا وفي سنده مقال ، ولكن روى ابن ماجه بسند صحيح ، عن ابن عمر : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد " وروى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه أولاد المحدثين من حديث جابر بن سمرة قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد " وروى البزار في مسنده بسند صحيح ، عن بريدة : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب والعشاء : والليل إذا يغشى ، والضحى ، وكان يقرأ في الظهر والعصر بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك " وروي في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وعمران بن الحصين وأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم ، فأثر عمر أخرجه الطحاوي ، عن زرارة بن أبي أوفى قال : أقرأني أبو موسى في كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إليه اقرأ في المغرب آخر المفصل وآخر المفصل من : لَمْ يَكُنِ إلى آخر القرآن ، وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن أبي عثمان النهدي قال : " صلى بنا ابن مسعود المغرب فقرأ : قل هو الله أحد ، فوددت أنه قرأ سورة البقرة من حسن صوته " وأخرجه [6/26] أبو داود والبيهقي أيضا . وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة أيضا ، حدثنا وكيع ، عن شعبة ، عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، عن ابن عباس قال : سمعته يقرأ في المغرب : إذا جاء نصر الله والفتح ، وأثر عمران بن الحصين أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن الحسن قال : كان عمران بن الحصين يقرأ في المغرب : إذا زلزلت والعاديات ، وأثر أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ، عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر المغرب ، قرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل ، ثم قرأ في الثالثة قال : فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه ، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية : رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا حتى الْوَهَّابُ وعن مكحول أن قراءة هذه الآية في الركعة الثالثة كانت على سبيل الدعاء ، وروي أيضا نحو ذلك عن التابعين ، فقال ابن أبي شيبة في مصنفه : أخبرنا وكيع ، عن إسماعيل بن عبد الملك قال : سمعت سعيد بن جبير يقرأ في المغرب مرة : تنبئ أخبارها ، ومرة : تحدث أخبارها ، حدثنا وكيع ، عن ربيع قال : كان الحسن يقرأ في المغرب : إذا زلزلت والعاديات ، لا يدعهما ، أخبرنا زيد بن الخباب ، عن الضحاك بن عثمان قال : رأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقرأ في المغرب بقصار المفصل ، أخبرنا وكيع ، عن محل قال : سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب : لإيلاف قريش ، وأخرج البيهقي في سننه من حديث هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في المغرب بنحو مما يقرؤون والعاديات ونحوها من السور ، فإن قلت : ما وجه الروايات المختلفة في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : كان هذا بحسب الأحوال ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم من حال المؤتمين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول ، وفي وقت لا يؤثرون لعذر ونحوه فيخفف ، وبحسب الزمان والوقت .
|