|
باب إذا ركع دون الصف
أي هذا باب ترجمته إذا ركع المصلي قبل وصوله إلى الصف ، وقال بعضهم : كان اللائق إيراد هذه الترجمة في أبواب الإمامة ، قلت : لا نسلم ذلك لأن هذا حكم مصل يركع قبل وصوله إلى الصف فعلى قوله كان يلزم أن يذكر باب إذا أسمع الإمام الآية ، وهو المذكور قبل هذا الباب بأربعة أبواب في أبواب الإمامة ، فإنه متعلق بالإمامة ولم يراع البخاري بين الأبواب من أي كتاب كان المناسبة التامة ، ومع هذا فلا يخلو عن بعض مناسبة بين كل بابين مذكورين معا ، وهاهنا يمكن أن يقال : المناسبة بين هذا الباب والأبواب التي قبله من حيث إن الركوع يكون بعد القراءة التي هي قراءة الفاتحة ؛ لأنها هي الأصل عندهم ، ويكون ختم الفاتحة بلفظ آمين ، وليس بين القراءة والركوع شيء آخر ، وقال ابن المنير : هذه الترجمة مما نوزع فيها البخاري حيث لم يأت بجواب إذا لإشكال الحديث واختلاف العلماء في المراد بقوله " ولا تعد " انتهى ، قلت : جواب إذا على كل حال محذوف ، فيحتمل أن يقدر الجواب يجوز ، ويحتمل لا يجوز ، ولكن الظاهر لا يجوز لأن طريقته في القراءة خلف الإمام تشير إلى عدم الجواز . 171 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا همام ، عن الأعلم وهو زياد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : زادك الله حرصا ولا تعد
مطابقته للترجمة ظاهرة وهي في قوله : " فركع قبل أن يصل إلى الصف " . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي ، الثاني : همام ، على وزن فعال بالتشديد ابن يحيى ، الثالث : الأعلم على وزن أفعل الذي هو للتفضيل من العلم بفتحتين من علم علما إذا صار أعلم ، وهو المشقوق الشفة العليا لا من العلم بكسر العين وسكون اللام ، وقد فسر اسمه بقوله وهو زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ، ابن حسان على وزن فعال بالتشديد ، الرابع : الحسن البصري ، الخامس : أبو بكرة بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ، واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة ، من فضلاء الصحابة بالبصرة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه عن الأعلم ، وفي رواية عفان ، عن همام ، حدثنا زياد الأعلم ، أخرجه ابن أبي شيبة ، وفيه زياد مذكور بلقبه وهو الأعلم ؛ لقب به لأنه كان مشقوق الشفة السفلى ، قال بعضهم : هكذا السفلى ، وليس كذلك ، بل الأعلم إنما يقال [6/55] للمشقوق الشفة العليا كما ذكرناه ، وفيه عن الحسن ، عن أبي بكرة بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ، أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه ، وقيل إنه لم يسمع من أبي بكرة وإنما يروي عن الأحنف عنه ، ورد هذا الإعلال بما رواه النسائي ، أخبرنا حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن زياد الأعلم قال : أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ؛ لأن زيادا من صغار التابعين والحسن من كبارهم رضي الله تعالى عنهم . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة ، عن حميد بن مسعدة ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن زياد ، وعن موسى بن إسماعيل ، عن حماد ، عن زياد ، وأخرجه النسائي فيه ، عن حميد بن مسعدة به . ذكر معناه . قوله : " أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع " أي والحال أن النبي صلى الله عليه وسلم راكع ، وفي رواية النسائي ، عن زياد " أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع " وفي رواية أبي داود ، عن الحسن " أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع : وفي رواية الطحاوي ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : " جئت ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع وقد حفزني النفس فركعت دون الصف " قوله : " فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم " أي فذكر ما فعله أبو بكرة من ركوعه دون الصف ، وفي رواية أبي داود " فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ؟ فقال أبو بكرة : أنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد " وفي رواية الطبراني من رواية حماد بن سلمة " فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم دخل الصف وهو راكع " قوله : " زادك الله حرصا " أي على الخير . قوله : " ولا تعد " قال السفاقسي ، عن الشافعي يعني لا تركع دون الصف ، وقيل لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيا يحفزك في النفس ، وقيل لا تعد إلى الإبطاء ، وقال الطحاوي . قوله : " لا تعد " عندنا يحتمل معنيين : يحتمل ولا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف ، كما قد روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف " ويحتمل : أي ولا تعد أن تسعى إلى الصف سعيا يحفزك فيه النفس ، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " وقال القاضي البيضاوي : يحتمل أن يكون عائدا إلى المشي إلى الصف في الصلاة ، فإن الخطوة والخطوتين وإن لم تفسد الصلاة لكن الأولى التحرز عنها ، ثم قوله : " ولا تعد " في جميع الروايات بفتح التاء وضم العين من العود ، وقيل روي بضم التاء وكسر العين من الإعادة ، فإن صحت هذه الرواية فمعناه ولا تعد صلاتك . ذكر ما يستفاد منه : قال الطحاوي في هذا الحديث أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة انتهى ، وروي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما أنهما فعلا ذلك ، ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعا ، وفعله عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وأبو سلمة وعطاء ، وقال مالك والليث : لا بأس بذلك إذا كان قريبا قدر ما يلحق ، وحد القرب فيما حكاه القاضي إسماعيل ، عن مالك أن يصل إلى الصف قبل سجود الإمام وقيل يدب قدر ما بين الفرجتين ، وفي الغنية ثلاث صفوف ، وفي الأوسط من حديث عطاء أن ابن الزبير قال على المنبر : إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف ، فإن ذلك السنة ، قال عطاء : ورأيته يصنع ذلك ، وفي المصنف بسند صحيح ، عن زيد بن وهب قال : " خرجت مع عبد الله من داره ، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه ، ثم مشينا إلى الصف راكعين حتى رفع القوم رؤوسهم ، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأصلي فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني ، وقال : إنك قد أدركت " وروي في المصنف أيضا أن أبا أمامة فعل ذلك وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد والحسن ، وقال أبو حنيفة : يكره ذلك للواحد ولا يكره للجماعة ، ذكره الطحاوي . وفيه أن دخول أبا بكرة في الصلاة دون الصف لما كان صحيحا كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة ، وهو صلاة [6/56] المنفرد خلف الصف ، وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد ؛ ولكن يأثم ، أما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان وقد وجدت ، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة لفرد خلف الصف " ومعناه : لا صلاة كاملة كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا وضوء لمن لم يسم الله " وقوله صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " وقال حماد بن أبي سليمان وإبرهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيع والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر : من صلى خلف صف منفردا فصلاته باطلة ، واحتجوا بالحديث المذكور ، وقد أجبنا عنه ، واحتجوا أيضا بحديث وابصة بن معبد الأشجعي : " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد ، قال سليمان : الصلاة " رواه أبو داود وغيره ، وصححه أحمد وابن خزيمة ، والجواب عنه أن في سنده اختلافا ، بيانه أن الذي يرويه هلال بن يساف ، عن عمرو بن راشد ، عن وابصة ، ومنهم من قال : هلال ، عن وابصة ، وعن هذا قال الشافعي : لو ثبت الحديث لقلت به ، وقال الحاكم : إنما لم يخرجه الشيخان لفساد الطريق إليه ، وقال البزار ، عن عمرو بن راشد : ليس معروفا بالعدالة فلا يحتج بحديثه ، وهلال لم يسمع من وابصة فأمسكنا عن ذكره لإرساله ، وقال أبو عمر : فيه اضطراب ولا تثبته جماعة ، فإن قلت : أخرج ابن ماجه في سننه ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، وحدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان ، عن أبيه علي بن شيبان وكان من الوفد قال : " خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه ، قال : ثم صلينا وراءه صلاة أخرى ، فقضى الصلاة فرأى رجلا فردا يصلي خلف الصف ، قال : فوقف عليه نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انصرف قال : استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف " وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، قلت : أخرجه البزار في مسنده وقال : عبد الله بن بدر ليس بالمعروف ، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر ، فأما ملازم فقد احتمل حديثه وإن لم يحتج به ، وأما محمد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه ، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه ، وابنه هذا غير معروف وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران ، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة ولا ارتفعت الجهالة ، وأجاب الطحاوي عنه أن معنى قوله : " لا صلاة للذي خلف الصف " لا صلاة كاملة لأن من سنة الصلاة مع الإمام اتصال الصفوف وسد الفرج ، فإن قصر عن ذلك فقد أساء وصلاته مجزية ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة ، فقيل لذلك : لا صلاة له ، أي لا صلاة متكاملة كما قال صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان " الحديث معناه : ليس هو المسكين المتكامل في المسكنة إذ هو يسأل فيعطى ما يقوته ويواري عورته ، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه ، وقال الخطابي ، وفيه دليل على أن قيام المأموم من وراء الإمام وحده لا يفسد صلاته وذلك أن الركوع جزء من الصلاة ، فإذا أجزأه منفردا عن القوم أجزأه سائر أجزائها ، كذلك إلا أنه مكروه لقوله " فلا تعد " ونهيه إياه عن العود إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل ، ولو كان نهي تحريم لأمره بالإعادة . وفيه أن من أدرك الإمام على حال يجب أن يصنع كما يصنع الإمام ، وقد ورد الأمر بذلك صريحا في سنن سعيد بن منصور من رواية عبد العزيز بن رفيع ، عن أناس من أهل المدينة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على الحالة التي أنا عليها " وفي الترمذي نحوه ، عن علي ومعاذ بن جبل مرفوعا ، وفي إسناده ضعف ولكنه يعتضد بما رواه سعيد بن منصور المذكور آنفا ، والله أعلم .
|