( باب الدعاء في الركوع )

أي هذا باب في بيان الدعاء في الركوع .
182 - ( حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ) .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
( ذكر رجاله ) :
وهم خمسة : الأول : حفص بن عمر . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : أبو الضحى ، بضم الضاد المعجمة وفتح الحاء المهملة بالقصر ، واسمه مسلم بن صبيح - بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء وبالحاء المهملة - الكوفي العطار التابعي ، مات في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه . الرابع : مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها .
( ذكر لطائف إسناده ) :
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده .
[6/69] ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) :
أخرجه البخاري أيضا في المغازي ، عن ابن بشار ، عن غندر ، وفي التفسير عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، وفي الصلاة أيضا ، عن مسدد ، وفي التفسير أيضا ، عن حسن بن الربيع . وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم . وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب . وعن محمد بن رافع ، عن يحيى . وأخرجه أبو داود ، عن عثمان بن أبي شيبة به . وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود . وعن سويد بن نصر ، وفيه وفي التفسير عن محمود بن غيلان ، عن وكيع . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة ، عن محمد بن الصباح ، عن جرير به .
( ذكر من روى أيضا ، عن عائشة في هذا الباب ) :
روى البزار في سننه ، عن عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في سجوده - يعني في صلاة الليل - : سجد وجهي للذي خلقه فشق سمعه وبصره بحوله وقوته .
وروى الطحاوي من حديث مسروق ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك ، وأتوب إليك ، فاغفر لي ؛ فإنك أنت التواب .
وروي أيضا ، عن مطرف ، عن عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في ركوعه وسجوده : سبوح ، قدوس ، رب الملائكة والروح .
وأخرجه مسلم والنسائي أيضا . وروى مسلم أيضا ، عن عائشة : رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول وهو راكع أو ساجد : سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت .
( ذكر من روى أيضا غير عائشة في هذا الباب )
روى مسلم ، عن حذيفة : صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكره ، وفيه : ركع فجعل يقول : سبحان ربي العظيم ، وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى . وزاد ابن ماجه بسند ضعيف : ثلاثا ثلاثا . وروى مسلم أيضا ، عن علي رضي الله تعالى عنه فذكر صلاته قال : وإذا ركع قال : اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ، وإذا سجد قال : لك سجدت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين . وروى أحمد في مسنده ، عن ابن عباس : بت عند ميمونة ، فرأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، وفي سجوده . وروى الطحاوي من حديث عقبة بن عامر الجهني قال : لما نزلت : فسبح باسم ربك العظيم قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجعلوها في ركوعكم ، ولما نزلت : سبحان ربي الأعلى قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجعلوها في سجودكم . وأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه . وروى الطحاوي أيضا ، عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات ليلة ، فكان يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى . وأخرجه الأربعة مطولا والدارقطني . وروى أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قمت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليلة ، فقام ، فقرأ سورة البقرة ... الحديث ، وفيه يقول في ركوعه : سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ... الحديث .
( ذكر معناه ) :
قوله : " سبحانك " منصوب على المصدر ، وحذف فعله ، وهو " أسبح " ونحوه لازم ، وهو علم للتسبيح ، ومعناه التنزيه عن النقائص والعلم ، لا يضاف إلا إذا نكر ، ثم أضيف . قوله : " وبحمدك " أي وسبحت بحمدك أي بتوفيقك وهدايتك ، لا بحولي وقوتي ، والواو فيه إما للحال ، وإما للعطف الجملة على الجملة ، سواء قلنا : إضافة الحمد إلى الفاعل والمراد من الحمد لازمه مجازا ، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية . أو إلى المفعول ، ويكون معناه وسبحت ملتبسا بحمدي لك .
قوله : " اللهم اغفر لي " أي يا الله اغفر لي ، وإنما قال ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وإن كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؛ لبيان الافتقار إلى الله والإذعان له وإظهار العبودية والشكر وطلب الدوام أو الاستغفار عن ترك الأولى ، أو التقصير في بلوغ حق عبادته ، مع أن نفس الدعاء هو عبادة ، وهذا من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمل بما أمر به في قول الله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ على أحسن الوجوه .
( فإن قلت ) : إتيانه بهذا في الركوع والسجود ما حكمته ؟ ( قلت ) : أما كونه في حال الصلاة فلأنها أفضل من غيرها ، وأما في تلك الحالتين فلما فيهما من زيادة خشوع وتواضع ليست في غيرهما ، والله تعالى أعلم .
( ذكر ما يستفاد منه ) :
فيه أن الذكر في الركوع والسجود سنة ، ولكن اختلفوا ؛ فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وداود : يدعو المصلي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث السابقة في صلاته ، سواء كانت فرضا أو نفلا ، وقال ابن قدامة في المغني : يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم - ثلاثا - وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى - ثلاثا ، فإن زاد دعاء مأثورا [6/70] أو ذكرا ، ثم ذكر مثل الأدعية المذكورة هاهنا فحسن ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله ، وقال البيهقي : قال الشافعي : يسبح كما أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث عقبة ويقول كما قال في حديث علي رضي الله تعالى عنه ، وقد مر حديثهما عن قريب . وقال إبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية : السنة للمصلي أن يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم - ثلاث مرات ، وذلك أدناه ، وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى - ثلاث مرات ، وذلك أدناه . وقال الطحاوي : قالوا : لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على " سبحان ربي العظيم " يرددها ما أحب ، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك من ثلاث مرات ، ولا ينبغي له أن يزيد في سجوده على " سبحان ربي الأعلى " يرددها ما أحب ، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك من ثلاث مرات .
قوله : " يرددها " أي يكرر كلمة " سبحان ربي العظيم " ما شاء فوق الثلاث ، غير أنه إذا كان إماما لا يزيد على الثلاث إلا بمقدار ما لا يحصل المشقة على القوم .
( قلت ) : هذا كله في الفرائض ، وأما في النوافل فلا بأس به ؛ لأن باب النفل أوسع ، وفي شرح الطحاوي يسبح الإمام ثلاثا - وقيل : أربعا - ليتمكن المقتدي من الثلاث ، وعند الماوردي : أدنى الكمال ثلاث ، والكمال إحدى عشرة أو تسع ، وأوسطه خمس ، وفي بعض شروح الهداية : إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى عشرة فهو أفضل عند الإمام ، وعندهما إلى سبع . وعن بعض الحنابلة : أدنى الكمال أن يسبح مثل قيامه ، وعند الشافعي عشرة ، وهو منقول عن عمر بن الخطاب . وروى أبو داود من حديث أنس قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشبه صلاة به من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات . قال صاحب التلويح : في سنده مقال . وفي المصنف : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن عون ، عن ابن مسعود قال : ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود . وقال ابن المبارك : عن محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن ميسرة قال : بلغني أن عمر رضي الله عنه كان يقول في الركوع والسجود قدر خمس تسبيحات : سبحان الله وبحمده . وحدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أبي الضحى قال : كان علي رضي الله عنه يقول في ركوعه : سبحان ربي العظيم - ثلاثا - وفي سجوده : سبحان ربي الأعلى - ثلاثا - . ثم اختلفوا في الأذكار في الركوع والسجود ؛ فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : هي سنة ، فلو تركها لم يأثم وصلاته صحيحة ، سواء تركها سهوا أو عمدا ، لكن يكره عمدا ، وقال أحمد وإسحاق : هو واجب ، فإن تركه عمدا بطلت صلاته ، وإن نسيه لم تبطل . زاد أحمد : ويسجد للسهو ، وفي رواية عنه أنه سنة ، وقال ابن حزم : هو فرض ، فإن نسيه يسجد للسهو .