186 - ( حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال : حدثنا إسماعيل ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أنس رضي الله عنه قال : كان القنوت في المغرب والفجر ) .

قد ذكرنا وجه إيراد هذا الحديث هنا في أول باب مجردا .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة :
الأول : عبد الله بن محمد ابن أبي الأسود ، واسم أبي الأسود حميد بن الأسود أبو بكر البصري ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين . الثاني : إسماعيل بن علية . الثالث : خالد بن مهران الحذاء . الرابع : أبو قلابة - بكسر القاف - عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي . الخامس : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه .
( ذكر لطائف إسناده ) :
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده والحديث أخرجه [6/74] البخاري أيضا في الوتر ، عن مسدد ، عن ابن علية .
قوله : " كان القنوت " يعني في أول الأمر . واحتج بهذا على أن قول الصحابي " كنا نفعل كذا " له حكم الرفع ، وإن لم يقيده بزمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله الحاكم ، ثم اعلم أن عبارة كلام أنس تدل على أن القنوت كان في صلاة المغرب والفجر ، ثم ترك ، ويدل عليه ما رواه أبو داود حدثنا أبو الوليد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أنس بن سيرين ، عن أنس بن مالك أن النبي قنت شهرا ، ثم تركه . انتهى . وقوله : " ثم تركه " يدل على أن القنوت كان في الفرائض ، ثم نسخ .
( فإن قلت ) : قال الخطابي معنى قوله : " ثم تركه " أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل المذكورة في حديث ابن عباس ، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع ، ولم يتركه في صلاة الفجر . ( قلت ) : هذا كلام متحكم متعصب بلا دليل ، فإن الضمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه لفظ قنت ، وهو عام يتناول جميع القنوت الذي كان في الصلوات ، وتخصيص الفجر من بينها بلا دليل في اللفظ يدل عليه - باطل .
وقوله : " أي ترك الدعاء " لا يصح ؛ لأن الدعاء لم يمض ذكره في هذا الحديث ، ولئن سلمنا فالدعاء هو عين القنوت ، وما ثم شيء غيره ، فيكون قد ترك القنوت ، والترك بعد العمل نسخ .
( فإن قلت ) : روى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس بن مالك قال : مازال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا . ومن طريق عبد الرزاق ، رواه الدارقطني في سننه وإسحاق بن راهويه في مسنده . ( قلت ) : قال ابن الجوزي في العلل المتناهية : هذا حديث لا يصح ؛ فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان ، وقال ابن المديني : كان يخلط ، وقال يحيى : كان يخطئ ، وقال أحمد : ليس بالقوي في الحديث ، وقال أبو زرعة : كان يتهم كثيرا ، وقال ابن حبان : كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير . انتهى . ورواه الطحاوي في شرح الآثار وسكت عنه إلا أنه قال : وهو معارض بما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه " أنه - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما قنت شهرا يدعو على أحياء من العرب ، ثم تركه " . وروى الطبراني في معجمه حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا غالب بن فرقد الطحان قال : كنت عند أنس بن مالك شهرين فلم يقنت في صلاة الغداة . انتهى ، فهذا يدل على أن القنوت كان ، ثم نسخ ؛ إذ لو لم ينسخ لم يكن أنس يتركه .
( فإن قلت ) : قال صاحب التنقيح على التحقيق : هذا الحديث - أعني حديث عبد الرزاق المذكور آنفا - أجود أحاديثهم ، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي - ( قلت ) : قال هو أيضا : وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل ، أو على أنه مازال يطول في الصلاة ، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك ، قال الله تعالى : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وقال : أمن هو قانت آناء الليل ، وقال : ومن يقنت منكن لله ورسوله ، وقال : يا مريم اقنتي ، وقال : وقوموا لله قانتين ، وقال : وكل له قانتون ، وفي الحديث " أفضل الصلاة القنوت " .