219 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم .

مطابقته للترجمة من حيث الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق .
ورجاله قد ذكروا ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري ، ومرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة ، وفي آخره دال مهملة ، ويزن - بفتح الياء آخر الحروف والزاي ، وفي آخره نون - بطن من حمير ، وتقدم ذكره في باب إطعام الطعام من الإسلام .
( ذكر لطائف إسناده ) :
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجال إسناده كلهم سوى طرفيه مصريون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي ، عن الصحابي ، فالتابعيان هما يزيد ابن أبي حبيب وأبو الخير ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي ، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) :
أخرجه البخاري أيضا في الدعوات ، عن عبد الله بن يوسف . وأخرجه مسلم في الدعوات عن محمد بن رمح وقتيبة . وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به . وأخرجه النسائي في الصلاة ، وفي [6/119] القنوت ، عن قتيبة به . وأخرجه ابن ماجه في الدعاء ، عن محمد بن رمح به . ورواه غير واحد ، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ، منهم عمرو بن الحارث خالف الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ، ولفظه : " عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " هكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، وأما مقتضى رواية الليث بن سعيد ، عن يزيد ابن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر إلى آخره أن الحديث من مسند أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن الليث ، فإن لفظه " عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : قلت : يا رسول الله " أخرجه البزار من طريقه ، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة هذا الحديث ، وقد أخرج البخاري طريق عمرو معلقة في الدعوات وموصولة في التوحيد ، عن يحيى بن سلمان ، عن عمرو ، وكذا أخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق ابن وهب ، وزاد مع عمرو بن الحارث رجلا مبهما ، وبين ابن خزيمة في روايته أنه عبد الله بن لهيعة .
( ذكر معناه ) :
قوله : " أدعو به " جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة لقوله : " دعاه " الذي هو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله : " علمني " .
قوله : " في صلاتي " ظاهره عموم جميع الصلاة ، ولكن المراد في حالة القعود بعد التشهد قبل السلام ، كما حققنا هكذا فيما مضى ، وقد قال الشيخ تقي الدين : لعله يترجح كونه فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل ، ونازعه بعضهم فقال : الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين ، أي السجود والتشهد . ( قلت ) : لا دليل له على دعوى الأولوية ، بل الدليل الصريح قام على أن محله في الجلسة ، وقد مضى بيانه في أول الباب الذي قبله .
قوله : " ظلمت نفسي " يعني بإتيان ما يوجب العقوبة . قوله : " ظلما كثيرا " بالثاء المثلثة ويروى بالباء الموحدة ، وكذا هو في رواية مسلم ، وقال النووي : فينبغي أن يقول : ظلما كبيرا كثيرا .
قوله : " ولا يغفر الذنوب إلا أنت " جملة معترضة بين قوله : " ظلمت نفسي ظلما كثيرا " وبين قوله : " فاغفر لي مغفرة " . وفائدة هذه الجملة الإشارة إلى الإقرار بأن الله هو الذي يغفر الذنوب ، وليس ذلك لغيره ، وفي الحقيقة هو إقرار أيضا بالوحدانية ؛ لأن من صفته غفران الذنوب هو الموصوف بالوحدانية ، والتنوين في قوله : " مغفرة " يدل على أنه غفران لا يكتنه كنهه .
قوله : " من عندك " إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم ؛ لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين ، وقال ابن الجوزي : هو طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من جهة العبد من عمل صالح وغيره ، وحاصله : هب لي المغفرة ، وإن لم أكن أهلا لها بعملي ، وكمل الكلام ، وختمه بقوله : " وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " ، وفي هاتين الصفتين مقابلة حسنة ؛ لأن قوله : " الغفور " مقابل لقوله : " اغفر لي " وقوله : " الرحيم " مقابل لقوله : " ارحمني " ولنا أن نقول : فيه لف ونشر مرتب .
( ذكر ما يستفاد منه ) :
فيه طلب التعليم من العالم في كل ما فيه خير ؛ خصوصا الدعوات التي فيها جوامع الكلم ، وفيه الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى نفسه ، وفيه الاعتراف بأن الله سبحانه هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن ، وفيه استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة لألفاظ القرآن ، وقال الكرماني : قالت الشافعية : يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما ، قال ابن عمر : لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي . انتهى ، وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة أو بما يشبه ألفاظ القرآن لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ؛ إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " ، وهو من أفراد مسلم .