|
250 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل . قلت لعمرة : أومنعن ؟ قالت : نعم .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله تكرر ذكرهم . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا عن القعنبي عن سليمان بن بلال ، وعن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي ، وعن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة ، وعن أبي بكر ابن أبي شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، وعن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك ، ستتهم عن يحيى بن سعيد به . ذكر معناه قوله : " ما أحدث النساء " في محل النصب على أنه مفعول أدرك ، أي : ما أحدثت من الزينة والطيب وحسن الثياب ونحوها . قلت : لو شاهدت عائشة رضي الله تعالى عنهما ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات لكانت أشد إنكارا ولا سيما نساء مصر ، فإن فيهن بدعا لا توصف ومنكرات لا تمنع ، منها ثيابهن من أنواع الحرير المنسوجة أطرافها من الذهب والمرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر ، وما على رءوسهن من الأقراص المذهبة المرصعة باللآلئ والجواهر الثمينة والمناديل الحرير المنسوج بالذهب والفضة الممدودة ، وقمصانهن من أنواع الحرير الواسعة الأكمام جدا السابلة أذيالها على الأرض مقدار أذرع كثيرة بحيث يمكن أن يجعل من قميص واحد ثلاثة قمصان وأكثر ، ومنها مشيهن في الأسواق في ثياب فاخرة وهن متبخترات متعطرات مائلات متبخترات متزاحمات مع الرجال مكشوفات الوجوه في غالب الأوقات ، ومنها ركوبهن على الحمير الغرة وأكمامهن سابلة من الجانبين في أزر رفيعة جدا ، ومنها ركوبهن على مراكب في نيل مصر وخلجانها مختلطات بالرجال ، وبعضهن يغنين بأصوات عالية مطربة والأقداح تدور بينهن ، ومنها غلبتهن على الرجال وقهرهن إياهم وحكمهن عليهم بأمور شديدة ، ومنهن نساء يبعن المنكرات بالإجهار ويخالطن الرجال فيها ، ومنهن قوادات يفسدن الرجال والنساء ويمشين بينهن بما لم يرض به الشرع ، ومنهن صنف بغايا قاعدات مترصدات للفساد ، ومنهن صنف دائرات على أرجلهن يصطدن الرجال ، ومنهن نصف سوارق من الدر والحمامات ، ومنهن صنف سواحر يسحرن وينفثن في العقد ، ومنهن بياعات في الأسواق يتعايطن بالرجال ، ومنهن دلالات نصابات على النساء ، ومنهن صنف نوائح ودفافات يرتكبن هذه الأمور القبيحة بالأجرة ، ومنهن مغنيات يغنين بأنواع الملاهي بالأجرة للرجال [6/159] والنساء ، ومنهن صنف خطابات يخطبن للرجال نساء لها أزواج بفتن يوقعنها بينهم ، وغير ذلك من الأصناف الكثيرة الخارجة عن قواعد الشريعة ، فانظر إلى ما قالت الصديقة رضي الله تعالى عنها من قولها " لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثت النساء " وليس بين هذا القول وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا مدة يسيرة ، على أن نساء ذلك الزمان ما أحدثن جزأ من ألف جزء مما أحدثت نساء هذا الزمان . قوله : " كما منعت نساء بني إسرائيل " يحتمل أن تكون شريعتهم المنع ، ويحتمل أن يكون منعن بعد الإباحة ، ويحتمل غير ذلك مما لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالخبر . قوله : " قلت لعمرة " القائل يحيى بن سعيد . قوله : " أو منعن " بهمزة الاستفهام وواو العطف وفعل المجهول ، والضمير الذي فيه يعود إلى نساء بني إسرائيل ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : من أين علمت عائشة رضي الله تعالى عنها هذه الملازمة والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا الله تعالى . ( قلت ) : مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد ، والأولى في هذا الباب أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب ، لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع الطيب والتزين ، لما روى مسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تفلات " . وكذلك قيد ذلك في بعض المواضع بالليل ، ليتحقق الأمن فيه من الفتنة والفساد ، وبهذا يمنع استدلال بعضهم في المنع مطلقا في قول عائشة ، لأنها علقته على شرط لم يوجد ، فقالت : لو رأى لمنع ، فيقال عليه : لم ير ولم يمنع ، على أن عائشة رضي الله تعالى عنها لم تصرح بالمنع ، وإن كان ظاهر كلامها يقتضي أنها ترى المنع ، وأيضا فالإحداث لم يقع من الكل بل من بعضهم فإن تعين المنع فيكون في حق من أحدثت لا في حق الكل ، وقال التيمي : فيه دليل على أنه لا ينبغي للنساء أن يخرجن من المساجد إذا حدث في النساء الفساد ، انتهى . قلت : الذي يعول عليه ما قلناه ، ولم يحدث الفساد في الكل . قوله : " تفلات " جمع تفلة ، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء ، من التفل ، وهو سوء الرائحة ، يقال : امرأة تفلة إذا لم تطيب ، ويقال : رجل تفل وامرأة تفلة ومتفال . ( فإن قلت ) : لم قال " لا تمنعوا إماء الله " ولم يقل لا تمنوا نساءكم ؟ ( قلت ) : لأنه لما قال مساجد الله راعى المناسبة ، فقال " إماء الله " وهو أوقع في النفس من لفظ النساء .
|