الحديث الأول :
887 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لولا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة "
.

فيه : دليل على أن الحرج والمشقة مرفوعان عن هذه الأمة ، كما قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وقد سبق ذكر ذلك في تأخير عشاء الآخرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب تأخيرها ، ولولا المشقة على أمته لجعل وقتها ثلث الليل أو نصفه .
وفيه : دليل على أن السواك ليس بفرض كالوضوء للصلاة ، وبذلك قال جمهور العلماء ، خلافا لمن شذ منهم من الظاهرية .
وقد حكي عن إسحاق ، أنه لو تركه عمدا أعاد الصلاة . وقيل : إنه لا يصح عنه .
وهذا الحديث : نص على أنه غير واجب على الأمة ؛ فإن المراد : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك أمر فرض وإيجاب ، لا أمر ندب واستحباب ؛ فإنه قد ندب إليه واستحبه ، ولكن لم يفرضه ، ولم يوجبه .
[5/376] وقد صرح بذلك في حديث آخر :
خرجه الإمام أحمد من حديث تمام بن العباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك ، كما فرضت عليهم الوضوء " .
وخرج ابن أبي شيبة نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ويروى نحوه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي الحديث : دليل على استحباب السواك مع كل صلاة ، فدخل في ذلك صلاة الجمعة وغيرها .
والسواك مع الصلاة نوعان :
أحدهما : السواك مع الوضوء للصلاة ، وقد سبق ذكره في " الطهارة " .
والثاني : السواك للصلاة عند القيام إليها .
وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب ، لا يقوم إلى صلاة إلا استن ، ثم رده إلى موضعه .
وقال الترمذي : حسن صحيح
.
وهذا مذهب الشافعي وأصحابنا .
وروى أبو يحيى الحماني ، عن أبي سعد ، عن مكحول ، عن واثلة بن [5/377] الأسقع ، قال : كان أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يربطون مساويكهم بذوائب سيوفهم ، فإذا حضرت الصلاة استاكوا ، ثم صلوا .
خرجه البيهقي في " صلاة الخوف " من " سننه " .
وقال : أبو سعد البقال ، غير قوي
.
وقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد ، وقالوا : ليس فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل للتهجد في بيته .
وحكي عن مالك ، أنه يكره السواك في المساجد ، والذي رأيناه في " تهذيب المدونة " : أنه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد ، وإن جمعه وألقاه ؛ لحرمة المساجد .
وقد روي عن عثمان بن عفان ، أنه كان يخطب يوم الجمعة ، فذكر أنه لم يستك ، فنزل فاستاك .
وهذا يدل على أنه إنما نزل ليستاك خارج المسجد ، وأنه رأى السواك في الجمعة عند الوضوء لا عند الصلاة .
وخرج الحاكم في " أماليه " من رواية أبي أيوب الأفريقي ، عن صالح بن أبي صالح ، أظنه عن أبيه ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك .
وهذا غريب
.
ويستدل به : على أنه إنما كان يستاك في بيته قبل خروجه إلى المسجد .