باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة

أي هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الفجر في صبح يوم الجمعة ، وقوله : " يقرأ " على صيغة المجهول ، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم ، أي : يقرأ المصلي ، وكلمة " ما " موصولة ، ومنع بعضهم أن تكون استفهامية ، ولا مانع مع ذلك على ما لا يخفى .
16 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن - هو ابن هرمز الأعرج - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر : ( الم تنزيل السجدة ) و ( هل أتى على الإنسان ) .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
ذكر رجاله ، كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين . وسفيان هو الثوري . وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف .
( ذكر لطائف إسناده )
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه القول في موضعين . وفي بعض النسخ " حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان " وهي رواية كريمة ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ، وفي بعضها " حدثنا محمد بن يوسف أبو نعيم كلاهما عن سفيان " . وفيه رواية التابعي عن التابعي وهما سعد والأعرج . وفيه الأولان من الرواة كوفيان والثالث والرابع مدنيان . ( فإن قلت ) : طعن سعد بن إبراهيم في روايته لهذا الحديث ، ولهذا امتنع مالك عن الرواية عنه ، والناس تركوا العمل به لا سيما أهل المدينة . ( قلت ) : لم ينفرد سعد به مطلقا ، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله ، وكذا ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة : الم تنزيل وهل أتى " . وعن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا [6/185] مثله رواه الطبراني ، وعن ابن مسعود مثله أخرجه ابن ماجه والطبراني ، وامتناع مالك من الرواية عنه ليس لأجل هذا الحديث بل لكونه طعن في نسب مالك ، وقولهم : إن الناس تركوا العمل به غير صحيح ، لأن ابن المنذر قال : أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قالوا به .
ذكر من أخرجه غيره ، أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب عن وكيع عن سفيان به ، وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن إبراهيم بن سعد عن أبيه به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن يحيى عن إبراهيم ، وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان به . وأخرجه ابن ماجه فيه عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب به .
ذكر معناه
قوله : " كان النبي صلى الله عليه وسلم " ، قال الكرماني : قالوا مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار ، انتهى . قلت : أكثر العلماء على أن " كان " لا يقتضي المداومة ، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " الحديث ، وروى أيضا من حديث الضحاك بن قيس أنه سأل - عن النعمان بن بشير : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ به يوم الجمعة ؟ قال : سورة الجمعة و ( هل أتاك حديث الغاشية ) . وروى الطحاوي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون . فهذه الأحاديث فيها لفظة " كان " ولم تدل على المداومة ، بل كان صلى الله عليه وسلم قرأ بهذا مرة وبهذا مرة ، فحكى عنه كل فريق ما حضره ، ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك وأن للإمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة الكتاب أي القرآن شاء .
قوله : " في الفجر يوم الجمعة " وفي رواية كريمة والأصيلي " في الجمعة في صلاة الفجر " . قوله : " الم تنزيل الكتاب " بضم اللام على الحكاية ، وفي رواية كريمة " السجدة " وهو بالنصب ، على أنه عطف بيان . قوله : " وهل أتى على الإنسان " وفي رواية الأصيلي زيادة " حين من الدهر " ومعناه : يقرأ في الركعة الأولى ( الم تنزيل ) وفي الثانية ( هل أتى على الإنسان ) وأوضح ذلك في رواية مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ : " ( الم تنزيل ) في الركعة الأولى وفي الثانية ( هل أتى على الإنسان ) "
( ذكر ما يستفاد منه )
قال ابن بطال : ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث ، روي ذلك عن علي وابن عباس ، واستحبه النخعي وابن سيرين ، وهو قول الكوفيين ، والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقالوا : هو سنة . واختلف قول مالك في ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة ، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم . قلت : الكوفيون مذهبهم كراهة قراءة شيء من القرآن مؤقتة لشيء من الصلوات ، أن يقرأ سورة السجدة وهل أتى في الفجر كل جمعة . وقال الطحاوي رحمه الله تعالى : معناه إذ رآه حتما واجبا لا يجزئ غيره ، أو رأى القراءة بغيرها مكروهة ، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركا أو تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو لأجل التيسير فلا كراهة . وفي المحيط : بشرط أن : أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره . وقال المهلب : القراءة في الصلاة محمولة على قوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وقال أبو عمر في التمهيد : قال مالك : يقرأ في صلاة العيدين بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( الشمس وضحاها ) ونحوهما . وفي المغني لابن قدامة : ويستحب أن يقرأ في الأولى من العيد بـ ( سبح ) وفي الثانية بـ ( الغاشية ) نص عليه أحمد . وقال الشافعي : فقرأ بـ ( قاف ) و ( اقتربت ) لحديث أبي واقد الليثي قال : سألني عمر رضي الله تعالى عنه بما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين . قلت : ( قاف ) و ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، رواه الطحاوي ومسلم ، وأخرجه الأربعة مرسلا ، واسم أبي واقد الحارث بن مالك ، وقيل : الحارث بن عوف ، وقيل : عوف بن الحارث . وقال ابن حزم في المحلى : واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبي سليمان ، وأما صلاة الجمعة فقد قال أبو عمر : اختلف الفقهاء فيما يقرأ به في صلاة الجمعة فقال مالك : أحب إلي أن يقرأ الإمام في الجمعة هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ مع سورة الجمعة . وقال مرة أخرى : أما الذي جاء به الحديث فـ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ مع سورة الجمعة ، والذي أدركت عليه الناس سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . وقال أبو عمر : محصل مذهب مالك أن كلتي السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة ، فإن فعل وقرأ بغيرهما فقد أساء وبئس ما صنع ، ولا تفسد عليه بذلك صلاته . وقال الشافعي وأبو ثور : يقرأ في الركعة الأولى بـ ( سورة الجمعة ) وفي الثانية [6/186] إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ . واستحب مالك والشافعي وأبو ثور وداود بن علي أن لا يترك سورة الجمعة على كل حال ، ( فإن قلت ) : قد ثبتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة السجدة ، فهل ورد أنه سجد فيها أم لا ؟ ( قلت ) : ذكر ابن أبي داود في كتاب الشريعة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " غدوت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد " وروى الطبراني في الصغير من حديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة والله أعلم . وفي إسناد الأول أبان ولا يدري من هو ، والثاني ضعيف ، ( فإن قلت ) : ما الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة هذه السورة بعينها حتى إذا لم يقرأها يستحب أن يقرأ سورة فيها سجدة وفي إضافة ( هل أتى إليها ) ؟ ( قلت ) : الحكمة في ذلك الإشارة إلى ما في هاتين السورتين من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة وأنها تقع يوم الجمعة .