|
باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
أي هذا باب ترجمته إذا اشتد الحر ، وجواب " إذا " محذوف تقديره إذا اشتد الحر يوم الجمعة أبرد بها ، وإنما لم يجزم بالحكم الذي يفهم من الجواب لكونه لم يتيقن أن قوله يعني " الجمعة " من كلام التابعي أو من كلام من دونه ؛ لأن قول أنس : " كان النبي [6/202] - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة " مطلق يتناول الظهر والجمعة ، كما أن قوله في رواية حميد عنه " كنا نبكر بالجمعة " مطلق يتناول شدة الحر وشدة البرد ، والحاصل أن النقل عن أنس رضي الله تعالى عنه مختلف ، فرواية حميد عنه تدل على التبكير بالجمعة مطلقا ، ورواية أبي خلدة عنه تدل على التفصيل فيها ، وروايته الثانية عنه تدل على أن هذا الحكم بالصلاة مطلقا يعني سواء كان جمعة أو ظهرا ، وروايته الثالثة التي رواها عنه بشر بن ثابت تدل على أن هذا الحكم بالظهر ، ويحصل الائتلاف بين هذه الروايات بأن نقول : الأصل في الظهر التبكير عند اشتداد البرد ، والإبراد عند اشتداد الحر كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة ، والأصل في الجمعة التبكير ؛ لأن يوم الجمعة يوم اجتماع الناس ، وازدحامهم ، فإذا أخرت يشق عليهم . وقال ابن قدامة : ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها إذا زالت الشمس صيفا وشتاء على ميقات واحد ، ثم إن أنسا رضي الله تعالى عنه قاس الجمعة على الظهر عند اشتداد الحر لا بالنص ؛ لأن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة في الظهر ، وعلى التبكير في الجمعة . 29 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال : حدثنا حرمي بن عمارة قال : حدثنا أبو خلدة هو خالد بن دينار قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يعني الجمعة
مطابقته للترجمة في قوله : " إذا اشتد الحر " . ذكر رجاله ، وهم أربعة : المقدمي بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة ، وحرمي بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم ، ابن عمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم ، وأبو خلدة بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام ، وبفتحها أيضا ، وهو كنية خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أحد الرواة بصيغة النسبة ، والآخر بالكنية ، وتصريح الاسم ، وفيه أن الرواة كلهم بصريون ، وفيه أن البخاري روى هذا الحديث الواحد فقط من أبي خلدة قاله الغساني ، وأخرجه النسائي ، ولم يذكر فيه لفظ الجمعة ؛ بل ذكره بعد قوله : " تعجيل الظهر في البرد " . ( قال يونس بن بكير : أخبرنا أبو خلدة ، فقال : بالصلاة ، ولم يذكر الجمعة ) .
هذا التعليق وصله البخاري في ( الأدب المفرد ) ، ولفظه " سمعت أنس بن مالك ، وهو مع الحكم أمير البصرة على السرير يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بالصلاة " قوله : " وقال بالصلاة " أي : وقال أبو خلدة في رواية يونس عنه بلفظ الصلاة فقط ، ولم يذكر الجمعة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي الحسن حدثنا أبو هشام عن يونس بلفظ " إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكرها " يعني الظهر ، وكذا أخرجه البيهقي من حديث عبيد بن يعيش عنه بلفظ " الصلاة " فقط . وقال الكرماني : قوله : " ولم يذكر الجمعة " موافق لقول الفقهاء حيث قالوا : ندب الإبراد إلا في الجمعة ؛ لشدة الخطر في فواتها ، ولأن الناس يبكرون إليها ، فلا يتأذون بالحر . ( وقال بشر بن ثابت : حدثنا أبو خلدة ، قال : صلى بنا أمير الجمعة ، ثم قال لأنس رضي الله عنه : كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر )
هذا التعليق وصله الإسماعيلي من حديث إبراهيم بن مرزوق عن بشر ، عن أنس بلفظ : إذا كان الشتاء بكر بالظهر ، وإذا كان الصيف أبرد بها ، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء نقية ، وأخرجه البيهقي أيضا ، قوله : " أمير " سماه البخاري في كتاب ( الأدب المفرد ) على ما ذكرناه ، وهو الحكم بن أبي عقيل الثقفي كان نائبا عن ابن عمه الحجاج بن يوسف ، وكان على طريقة [6/203] ابن عمه في تطويل الخطبة يوم الجمعة ، حتى يكاد الوقت أن يخرج ، واستدل به ابن بطال على أن وقت الجمعة وقت الظهر ؛ لأن أنسا سوى بينهما في جوابه للحكم المذكور ، حتى قيل : كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر ، خلافا لمن أجاز الجمعة قبل الزوال . وقال التيمي : معنى الحديث أن الجمعة وقتها وقت الظهر ، وأنها تصلى بعد الزوال ، ويبرد بها في شدة الحر ، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكن الوقت .
|