قال البخاري - رحمه الله تعالى - :
969 - نا محمد بن عرعرة : نا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن [6/114] سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام - يعني : أيام العشر - " قالوا : ولا الجهاد ؟ قالَ : " ولا الجهاد ، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء
.

هكذا في أكثر النسخ المعتمدة ، وفي أكثر النسخ : " ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام " - وكأنه يشير إلى أيام التشريق - والحديث بهذا اللفظ غير معروف .
وفيه : تفضيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعًا .
ولعل هذا من تصرف بعض الرواة ، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في " باب : فضل العمل في أيام التشريق "
.
والبخاري اتبع عبد الرزاق ؛ فإنه خرج هذا الحديث في ( مصنفه ) في " باب : فضل أيام التشريق " - أيضًا .
وقد ذكر أن البخاري وإن بوب على أيام التشريق ، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا ، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات . وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر . وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل ، فعلم أنه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها ، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع ، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر .
وهذا الحديث حديث عظيم جليل .
وسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش ، وقد رواه جماعة عن الأعمش [6/115] بهذا الإسناد ، وهو المحفوظ - : قاله الدارقطني وغيره .
واختلف على الأعمش فيه :
ورواه عن مسلم البطين مع الأعمش : حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد .
ورواه عن سعيد بن جبير مع البطين : أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم ، مع اختلاف على بعضهم فيه .
ورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير ، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة ومقسم ، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره .
ولعل مسلمًا لم يخرجه للاختلاف في إسناده . والله سبحانه وتعالى أعلم
.
وهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل ، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه .
وفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره .
ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد ، وهو أن يخرج الرجل بنفسه وماله ، ثم لا يرجع منهما بشيء .
وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أي الجهاد أفضل ؟ " ، قالَ : " من عقر جواده ، وأهريق دمه " .
وسمع رجلا يقول : اللَّهُمَّ أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين ، فقالَ لهُ : " إذن يعقر جوادك ، وتستشهد " .
فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر ، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال ، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها .
[6/116] وفي رواية : " وأحب إلى الله عز وجل " .
فإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد ؛ لأن الحج يختص بهذه العشر ، وهو من أفضل أعماله ، ومع هذا فالجهاد أفضل منه ؛ لما في " الصحيحين " ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : " أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله ، ثُمَّ حج مبرور " .
قيل : للجمع بينهما وجهان :
أحدهما : بأن يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد ، إلا الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله ، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج خاصة .
وقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد ، ومنهم : عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم ، وعن مجاهد وغيره .
فيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلها .
الوجه الثاني : أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد ، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ .
ولذلك أمثلة :
منها : أن يكون الحج مفروضا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قول جمهور العلماء .
وقد روي صريحًا ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص
.
وروي - مرفوعًا - من وجوه متعددة ، في أسانيدها لين
.
[6/117] ونص عليه الإمام أحمد وغيره .
وقد دل عليه : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل : " ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه " .
وقد خرجه البخاري في " كتابه " هذا .
ومنها : أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد ، فحجه أفضل من جهاده ، كالمرأة .
وقد خرج البخاري حديث عائشة ، أنها قالت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قالَ : " لكن أفضل الجهاد حج مبرور " .
ومنها : أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر ، ويؤتى به على أكمل الوجوه ، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات ، مع كثرة ذكر الله عز وجل والإحسان إلى عباده ، وكثرة العج والثج ، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد .
وقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضيل الحج على الجهاد ، كما سبق .
وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر ، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه .
ويدل عليه - أيضًا - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن عمل يعدل الجهاد ، فقال : " هل تستطيع إذا خرج المجاهد ، أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ " .
فدل على أن العمل من فتور في أي وقت كانَ يعدل الجهاد ، فإذا وقع [6/118] هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه كان أفضل في عدد أيامه من سائر السنة ، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم .
ولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث ، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه .
وروي عنه ، أنه قال : لا تطفئوا مصابيحكم في العشر - يعجبه العبادة .
فإن قيل : هل المراد : تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟
قيل : أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره ، فلا شك في ذَلِكَ .
ويدل عليه : ما خرجه ابن حبان في " صحيحه " ، من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة " . فقال رجل : يا رسول الله ، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله ؟ قالَ : " هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل " .
فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها ، ومن ذلك عشر رمضان .
لكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار ، ونوافله أفضل من نوافلها ، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره ، كما سبق تقريره في الحج والجهاد .
[6/119] وحينئذ ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة ؛ لأن الفرض أفضل من النفل .
وأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان ، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره .
وقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ؛ لفضل أيامه ، وخالفه في ذَلِكَ علي ، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع .
وبذلك علله أحمد وإسحاق ، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان .
وأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من غيره ، ففيه نظر .
وقد روي ما يدل عليهِ :
فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : " ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، وكل ليلة منها بليلة القدر " .
والنهاس ، ضعفوه .
وذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادة ، عن ابن المسيب - مرسلا
.
وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قالَ : ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر ؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة .
وممن روي عنه : أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة : ابن سيرين وقتادة [6/120] وعن الحسن : صيام يوم منه يعدل شهرين .
وروى هارون بن موسى النحوي : سمعت الحسن يحدث ، عن أنس ، قالَ : كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم .
وفي " صحيح مسلم " ، من حديث أبي قتادة - مرفوعا - " إن صيامه كفارة سنتين " .
وهذه النصوص : تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره ، إما سنة أو أكثر من ذلك أو أقل . والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله .
وحديث جابر الذي خرجه ابن حبان : يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا .
وقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان ، بزيادة فيهِ ، وهي : " ولا ليالي أفضل من لياليهن " .
وفي " مسند البزار " من وجه آخر ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : " أفضل أيام الدنيا العشر " .
وروي مرسلًا .
وقيل : إنه أصح
.
وقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة ، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا .
وقال مسروق في قوله : وَلَيَالٍ عَشْرٍ هي أفضل أيام السنة .
وهذه العشر تشتمل على يوم عرفة .
[6/121] وفي " صحيح ابن حبان " عن جابر - مرفوعا - : " إنه أفضل أيام الدنيا " وفيه : يوم النحر .
وفي حديث عبد الله بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ، ثم يوم القر " .
خرّجه أبو داود وغيره .
وقد سبق في الحديث المرفوع : أن صيام كل يوم منه بسنة ، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر .
وهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان ، لياليه وأيامه .
وقد زعم طائفة من أصحابنا : أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر .
وقد تقدم عن ابن عمر ، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة ، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر .
وعلى تقدير أن لا يثبت ذلك ، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين : مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وروى سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن كعب : أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول .
وروي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا ، ولا يصح
.
[6/122] وكذا قال سعيد بن جبير : ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة .
وفي " مسند البزار " من حديث أبي سعيد - مرفوعا - : " سيد الشهور رمضان ، وأعظمها حرمة ذو الحجة " .
وفي إسناده مقال
.
وفي " مسند الإمام أحمد " ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في خطبته في حجة الوداع يوم النحر - : " ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ، وأحرم الشهور شهركم هذا ، وأحرم البلاد بلدكم هذا " .
وروي هذا من حديث جابر ، ووابصة ، ونبيط بن شريط وغيرهم - أيضًا .
وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم ؛ حيث كانَ أعظمها حرمة .
وروي عن الحسن : أن أفضلها المحرم .
وأما ما قاله بعض الفقهاء الشافعية : إن أفضلها رجب : فقوله ساقط مردود . والله تعالى أعلم .