[1/27] وخرج البخاري :
9 - من حديث سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان " .


وخرجه مسلم من هذا الوجه ، ولفظه " بضع وسبعون " .
وخرجه مسلم أيضا من رواية جرير ، عن سهيل ، عن عبد الله بن دينار - به ، وقال في حديثه : " بضع وسبعون ، أو بضع وستون " بالشك ، وهذا الشك من سهيل ، كذا جاء مصرحا به في " صحيح ابن حبان " وغيره .
وخرجه مسلم أيضا من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار - به ، وقال في حديثه : " الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون بابا " .
ورواه ابن عجلان ، عن عبد الله بن دينار ، وقال : " ستون أو سبعون " .
وروي عنه أنه قال في حديثه : " ستون أو سبعون " أو بضع وأحد من العددين .
[1/28] وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه - بهذا اللفظ أيضا .
وروي عنه بلفظ آخر ، وهو " الإيمان تسعة أو سبعة وسبعون شعبة " .
وخرجه الترمذي من رواية عمارة بن غزية وقال فيه : " الإيمان أربعة وسبعون بابا " .
وقد روي عن عمارة بن غزية ، عن سهيل ، عن أبيه .
وسهيل لم يسمع من أبيه ، إنما رواه عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح
. فمدار الحديث على عبد الله بن دينار ، لا يصح عن غيره .
وقد ذكر العقيلي أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات :
أثبات : كمالك وشعبة وسفيان بن عيينة .
ومشايخ : كسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان .
قال : وفي روايتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب ، وقال : إن هذا الحديث لم يتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار ، ولا تابع عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح عليه أحد .
والطبقة الثالثة : الضعفاء ، فيروون عن عبد الله بن دينار المناكير ، إلا أن الحمل فيها عليهم .
قلت : قد رواه عن عبد الله بن دينار سليمان بن بلال ، وهو ثقة ثبت . وقد خرج حديثه في " الصحيحين " .
[1/29] وأما الاختلاف في لفظ الحديث فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح .
وزعم بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان ، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها .
وفي ذلك نظر .
وقد ورد في بعض روايات " صحيح مسلم " عدد بعض هذه الخصال ، ولفظه : " أعلاها قول : لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " .
فأشار إلى أن خصال الإيمان منها ما هو قول باللسان ، ومنها ما هو عمل بالجوارح ، ومنها ما هو قائم بالقلب ، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال .
وقد انتدب لعدها طائفة من العلماء كالحليمي والبيهقي وابن شاهين وغيرهم ، فذكروا كل ما ورد تسميته إيمانا في الكتاب والسنة من الأقوال والأعمال ، وبلغ بها بعضهم سبعا وسبعين ، وبعضهم تسعا وسبعين .
وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخصال عسر ، كذا قاله ابن الصلاح ، وهو كما قال .
وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره ، وما خرج فيه من الأحاديث ، وما استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة ، إذا [1/30] عدت خصاله ، وأضيف إليه أضداد ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر - بلغ ذلك فوق السبعين أيضا ، والله أعلم .
وقد تكلم الراغب في كتاب " الذريعة " له على حصرها في هذا العدد بكلام عجيب جدا .
وفي قوله : " أعلاها قول : لا إله إلا الله " - ما يستدل به من يقول : إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقا ، وإنها أفضل من كلمة الحمد . وفي ذلك اختلاف ذكره ابن عبد البر وغيره .
فإن قيل : فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان ، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال ، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل . هذا قول الجمهور الأعظم منهم ، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين ، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة ، بل هي غير منحصرة .
قيل : يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة :
أحدها : أن يقال : إن عدد خصال الإيمان عند قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كان منحصرا في هذا العدد ، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي هذا نظر .
والثاني : أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعا ، وإن كان أفراد كل نوع تتعدد كثيرا ، وربما كان بعضها لا ينحصر .
وهذا أشبه ، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسر أو يتعذر .
والثالث : أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد ، لا على وجه الحصر ، كما في قوله تعالى : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [1/31] والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد ، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك كأنه يقول : هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه .
وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين ، وفيه نظر .
والرابع : أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها ، وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها .
قال ابن حامد من أصحابنا .
والبضع في اللغة : من الثلاث إلى التسع ، هذا هو المشهور ، ومن قال : ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد .
وقيل : من أربع إلى تسع .
وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر .
والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه .
وكذا قال بعضهم : ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة .
وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر ، والله أعلم .