189 - حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله ، فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني . قال : ويسمي حاجته .

[7/222] مطابقته للترجمة في قوله : " فليركع ركعتين من غير الفريضة " وقد أمره صلى الله عليه وسلم بركعتين ، وهو بإطلاقه يتناول كونهما بالليل أو بالنهار .
( ذكر رجاله ) وهم أربعة ؛ الأول : قتيبة بن سعيد . الثاني : عبد الرحمن بن أبي الموالي بفتح الميم ، أبو محمد مولى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وفي تهذيب الكمال : أن أبا الموالي اسمه زيد . الثالث : محمد بن المنكدر بلفظ اسم الفاعل من الانكدار ، ابن عبد الله أبو بكر ، مات سنة ثلاثين ومائة . الرابع : جابر بن عبد الله رضي الله عنهم .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن عبد الرحمن بن أبي الموالي مما تفرد بحديث الاستخارة ، وأن البخاري تفرد به ، وفيه أن شيخه بلخي وعبد الرحمن ومحمد مدنيان .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في «الدعوات» عن أبي مصعب مطرف بن عبد الله ، وفي التوحيد عن إبراهيم بن المنذر ، وأخرجه أبو داود في «الصلاة» ، عن القعنبي وعبد الرحمن ابن مقاتل خال القعنبي ، ومحمد بن عيسى بن الطباع ، وأخرجه الترمذي فيه والنسائي في «النكاح» وفي «النعوت» ، وفي «اليوم والليلة» جميعا عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة» عن أحمد بن يوسف السلمي .
وقال الترمذي : حديث جابر حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي ، وهو شيخ مدني ثقة ، روى عنه سفيان حديثا ، وقد روى عن عبد الرحمن غير واحد من الأئمة انتهى . ( قلت ) : حكم الترمذي على حديث جابر بالصحة تبعا للبخاري في إخراجه في الصحيح ، وصححه أيضا ابن حبان ، ومع ذلك فقد ضعفه أحمد بن حنبل فقال : إن حديث عبد الرحمن بن أبي الموالي في الاستخارة منكر ، وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمته ، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة ، وقد رواه غير واحد من الصحابة ، وقال شيخنا زين الدين : كأن ابن عدي أراد بذلك أن لحديثه هذا شاهدا من حديث غير واحد من الصحابة ، فخرج بذلك أن يكون فردا مطلقا ، وقد وثقه جمهور أهل العلم ، وقال الترمذي ويحيى بن معين وأبو داود والنسائي : ثقة . وقال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم : لا بأس به ، وزاد أبو زرعة : صدوق .
وقال الترمذي عقيب ذكره هذا الحديث ، وفي الباب عن ابن مسعود وأبي أيوب وقال شيخنا : وفي الباب أيضا عن أبي بكر الصديق ، وأبي سعيد الخدري ، وسعيد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأبي هريرة ، وأنس رضي الله تعالى عنهم .
أما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في «الكبير» من رواية صالح بن موسى الطلحي ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، " عن عبد الله قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخارة قال : إذا أراد أحدكم أمرا فليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ... " فذكره ، ولم يقل : العظيم ، وقدم قوله : " وتعلم " على قوله : " وتقدر " وقال : " فإن كان هذا الذي أريد خيرا في ديني وعاقبة أمري فيسره لي ، وإن كان غير ذلك خيرا لي فاقدر لي الخير حيث كان ، يقول ثم يعزم " ورواه الطبراني أيضا من طريق أخرى .
وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن حبان في «صحيحه» والطبراني في «الكبير» من رواية الوليد بن أبي الوليد : أن أيوب بن خالد بن أبي أيوب حدثه ، عن أبيه ، عن جده أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اكتم الخطبة ، ثم توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صل ما كتب الله لك ، ثم احمد ربك ومجده ، ثم قل : اللهم إنك تقدر ولا أقدر " الحديث ، إلى قوله : " الغيوب " وبعده : " فإن رأيت لي في فلانة تسميها باسمها خيرا في دنياي وآخرتي فاقض لي بها ، أو قال : فاقدرها لي " لفظ رواية الطبراني ، وقال ابن حبان : " خيرا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها لي ، وإن كان غيرها خيرا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي ذلك " ، وأيوب وخالد ذكرهما ابن حبان في «الثقات» .
وأما حديث أبي بكر فأخرجه الترمذي في «الدعوات» من رواية زنفل بن عبد الله ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال : اللهم خر لي واختر لي " وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديث زنفل ، وهو ضعيف عند أهل الحديث .
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق ابن إسحاق ، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء بن يسار " عن أبي سعيد الخدري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أراد أحدهم أمرا فليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك " الحديث على نحو حديث جابر ، وقال في آخره : " ثم قدر لي الخير أينما كان ، لا حول ولا قوة إلا بالله " إسناده صحيح ، ورواه ابن حبان أيضا في صحيحه من هذا الوجه .
وأما حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فرواه أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم من رواية إسماعيل بن محمد [7/223] ابن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، عن جده سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى " الحديث . ولا يصح إسناده .
وأما حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم فأخرجهما الطبراني في «الكبير» بإسناده عنهما قالا : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ، اللهم إني أستخيرك " الحديث إلى آخر قوله : " علام الغيوب " ، وزاد بعده : " اللهم ما قضيت علي من قضاء فاجعل عاقبته إلى خير " وإسناده ضعيف ، وفيه عبد الله بن هانئ ، متهم بالكذب .
وأما حديث أبي هريرة فرواه ابن حبان في صحيحه من رواية أبي المفضل بن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أراد أحدكم أمرا فليقل : اللهم إني أستخيرك " فذكره ولم يقل : العظيم ، وفي آخره : " ورضني بقدرك " قال ابن حبان : أبو المفضل اسمه شبل بن العلاء بن عبد الرحمن مستقيم الأمر في الحديث ، وقد ضعفه ابن عدي فقال : حدث بأحاديث له غير محفوظة مناكير ، وأورد له هذا الحديث وقال : إنه منكر لا يحدث به غير شبل .
وأما حديث أنس فرواه الطبراني في «معجمه الصغير والأوسط» من رواية عبد القدوس بن حبيب ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد " وقال : لم يروه عن الحسن إلا عبد القدوس ، تفرد به ولده عبد السلام انتهى . وعبد القدوس أجمعوا على تركه وكذبه الفلاس ، وقال أبو حاتم : عبد السلام وأبوه ضعيفان .
( ذكر اختلاف ألفاظ حديث جابر وغيره إسنادا ومتنا ) ففي رواية للبخاري في التوحيد ، ورواية لأبي داود أيضا التصريح بسماع عبد الرحمن بن أبي الموالي ، عن ابن المنكدر ، وبسماع ابن المنكدر له عن جابر ، وقال البخاري في الدعوات : " في الأمور كلها كالسورة من القرآن " ، ولم يقل فيه : " من غير الفريضة " وقال فيه : " ثم رضني به " وقال في «كتاب التوحيد» : " كان يعلم أصحابه الاستخارة " أي صلاة الاستخارة " في الأمور كلها " ، وفي رواية النسائي في النكاح : " وأستعينك بقدرتك " ، ولم يقل أبو داود ابن ماجه : " في الأمور كلها " وزاد أبو داود بعد قوله : " ومعاشي ومعادي " وللطبراني في الأوسط في حديث ابن مسعود : " وأسألك من فضلك الواسع " .
( ذكر معناه ) قوله : " يعلمنا الاستخارة " أي صلاة الاستخارة ودعاءها ، وهي طلب الخيرة على وزن العنبة ، اسم من قولك : اختاره الله . وفي النهاية : خار الله لك أي أعطاك ما هو خير لك ، قال : والخيرة بكون الياء الاسم منه ، وأما بالفتح فهو الاسم من قولك : اختاره الله ، ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرة الله من خلقه ، يقال بالفتح والسكون ، وهو من باب الاستفعال ، وهو في لسان العرب على معان ، منها سؤال الفعل ، والتقدير أطلب منك الخير فيما هممت به ، والخير هو كل معنى زاد نفعه على ضره ، قوله : " في الأمور كلها " دليل على العموم ، وأن المرء لا يحتقر أمرا لصغره وعدم الاهتمام به ، فيترك الاستخارة فيه ، فرب أمر يستخف بأمره فيكون في الإقدام عليه ضرر عظيم أو في تركه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " ليسأل أحدكم ربه حتى في شسع نعله " ، قوله : " كما يعلمنا السورة من القرآن " دليل على الاهتمام بأمر الاستخارة ، وأنه متأكد مرغب فيه ، ( فإن قلت ) : كان ينبغي أن تجب الاستخارة استدلالا بتشبيه ذلك ، بتعليم السورة من القرآن ، كما استدل بعضهم على وجوب التشهد في الصلاة بقول ابن مسعود : كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن . ( قلت ) : الذي دل على وجوب التشهد الأمر في قوله : " فليقل التحيات لله " الحديث .
( فإن قلت ) : هذا أيضا فيه أمر ، وهو قوله : " " فليركع ركعتين ثم ليقل " . ( قلت ) : الأمر في هذا معلق بالشرط ، وهو قوله : " إذا هم أحدكم بالأمر " . ( فإن قلت ) : إنما يؤمر به عند إرادة ذلك لا مطلقا كما قال في التشهد ، " وإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله " . ( قلت ) : التشهد جزء من الصلاة المفروضة فيؤخذ الوجوب من قوله : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، فأما الاستخارة فتدل على عدم وجوبها الأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس . ( فإن قلت ) : فعلى هذا ينبغي أن لا يكون الوتر واجبا ، ومع هذا هو واجب ، بل المنقول عن أبي حنيفة أنه فرض . ( قلت ) : قد قامت الأدلة من الخارج على وجوب الوتر كما عرف في موضعه ، قوله : " إذا هم " أي إذا قصد ، قوله : " فليركع ركعتين " أي فليصل ركعتين ، وهو ذكر الجزء وإرادة الكل ؛ لأن الركوع جزء من أجزاء الصلاة ، قوله : " في غير الفريضة " دليل على أنه لا تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة ، لتقييد ذلك في النص بغير الفريضة ، قوله : " ثم ليقل اللهم " إلى آخره دليل [7/224] على أنه لا يضر تأخير دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل ، قوله : " بعلمك " الباء فيه وفي قوله : " بقدرتك " للتعليل أي بأنك أعلم وأقدر ، قاله شيخنا زين الدين . وقال الكرماني : يحتمل أن تكون للاستعانة ، وأن تكون للاستعطاف كما في قوله : رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي بحق علمك وقدرتك الشاملين ، قوله : " وأستقدرك " أي أطلب منك أن تجعل لي قدرة عليه ، قوله : " وأسألك من فضلك العظيم " كل عطاء الرب جل جلاله فضل ، فإنه ليس لأحد عليه حق في نعمة ولا في شيء ، فكل ما يهب فهو زيادة مبتدأة من عنده لم يقابلها منا عوض فيما مضى ، ولا يقابلها فيما يستقبل ، فإن وفق للشكر والحمد فهو نعمة منه ، وفضل يفتقر إلى حمد وشكر ، وهكذا إلى غير نهاية خلاف ما تعتقده المبتدعة التي تقول : إنه واجب على الله تعالى أن يبتدئ العبد بالنعمة ، وقد خلق له القدرة ، وهي باقية فيه ، دائمة له أبدا ، يعصي ويطيع ، قوله : " وأنت علام الغيوب " المعنى أنا أطلب مستأنفا لا يعلمه إلا أنت ، فهب لي منه ما ترى أنه خير لي في ديني ومعيشتي وعاجل أمري وآجله ، وهذه أربعة أقسام خير يكون له في دينه دون دنياه ، وخير له في دنياه خاصة ، ولا تعرض في دينه وخير في العاجل ، وذلك يحصل في الدنيا ، ولكن في الآخرة أولى وخير في الآجل ، وهو أفضل ، ولكن إذا اجتمعت الأربعة فذلك الذي ينبغي للعبد أن يسأل ربه ، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أصلح ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، والموت راحة لي من كل شر إنك على كل شيء قدير " ، قوله : " ومعاشي " المعاش والمعيشة واحد يستعملان مصدرا واسما ، وفي المحكم : العيش الحياة ، عاش عيشا وعيشة ومعيشا ومعاشا وعيشوشة ، ثم قال : المعيش والمعاش والمعيشة ما يعاش به ، قوله : " أو قال " هو شك من بعض الرواة ، قوله : " فاقدره لي " أي فقدره ، يقال قدرت الشيء أقدره بالضم والكسر قدرا من التقدير . قال شهاب الدين القرافي في «كتاب أنوار البروق» : يتعين أن يراد بالتقدير هنا التيسير ، فمعناه فيسره ، قوله : " وبارك لي فيه " أي أدمه وضاعفه ، قوله : " واصرفه عني واصرفني عنه " أي لا تعلق بالي به وتطلبه ، ومن دعاء بعض أهل الطريق : اللهم لا تتعب بدني في طلب ما لم يقدر لي ، ويقال معناه طلب الأكمل من وجوه انصراف ما ليس فيه خيرة عنه ، ولم يكتف بسؤال صرف أحد الأمرين ؛ لأنه قد يصرف الله خيره عن المستخير عن ذلك الأمر بأن ينقطع طلبه له ، وذلك الأمر الذي ليس فيه خيرة يطلبه ، فربما أدركه ، وقد يصرف الله عن المستخير ذلك الأمر ولا يصرف قلب العبد عنه ، بل يبقى متطلبا متشوقا إلى حصوله ، فلا يطيب له خاطره ، فإذا صرف كل منهما عن الآخر كان ذلك أكمل ، ولذلك قال في آخره : " فاقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به " لأنه إذا قدر له الخير ولم يرض به ، كان منكدر العيش آثما بعدم رضاه بما قدره الله له مع كونه خيرا له ، والرضى سكون النفس إلى القدر والقضاء ، قوله : " ويسمي حاجته " أي في أثناء الدعاء عند ذكرها بالكناية عنها في قوله : " إن كان هذا الأمر " .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب صلاة الاستخارة والدعاء المأثور بعدها في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها ، أما ما هو معروف خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا حاجة للاستخارة فيها ، نعم قد يستخار في الإتيان بالعبادة في وقت مخصوص كالحج مثلا في هذه السنة لاحتمال عدو أو فتنة أو حصر عن الحج ، وكذلك يحسن أن يستخار في النهي عن المنكر كشخص متمرد عات يخشى بنهيه حصول ضرر عظيم عام أو خاص ، وإن كان جاء في الحديث : " إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " لكن إن خشي ضررا عاما للمسلمين ، فلا ينكر وإن خشي على نفسه فله الإنكار ، ولكن يسقط الوجوب ، وفيه في قوله : " فليركع ركعتين " دليل على أن السنة للاستخارة كونها ركعتين ، فإنه لا تجزئ الركعة الواحدة في الإتيان بسنة الاستخارة ، وهل يجزئ في ذلك أن يصلي أربعا أو أكثر بتسليمة يحتمل أن يقال : يجزئ ، ذلك لقوله في حديث أبي أيوب : " ثم صل ما كتب الله لك " فهو دال على أن الزيادة على الركعتين لا تضر ، وفيه ما كان من شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته وإرشادهم إلى مصالحهم دينا ودنيا ، وفيه في قوله : " فليركع ركعتين " استحباب ذلك في كل وقت إلا في وقت الكراهة ، وكذلك عند الشافعية في الأصح ، وفيه دلالة على أن العبد لا يكون قادرا إلا بالفعل لا قبله كما تقول القدرية ، وقال ابن بطال : القوة والقدرة من صفات الذات ، والقدرة والقوة بمعنى واحد مترادفان ، فالباري تعالى لم يزل قادرا قويا [7/225] ذا قدرة وقوة ، قال : وذكر الأشعري أن القدرة والقوة والاستطاعة اسم ، ولا يجوز أن يوصف بأنه مستطيع لعدم التوقيف بذلك ، وإن كان قد جاء القرآن بالاستطاعة فقال : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ وإنما هو خبر عنهم ، ولا يقتضي إثبات صفة له ، وفيه تصريح بعقيدة أهل السنة ، فإنه نفى العلم عن العبد والقدرة وهما موجودان ، وذلك تناقض في بادئ الرأي ، والحق فيه الاعتراف بأن العلم لله تعالى والقدرة له ، وليس للعبد من ذلك شيء إلا ما خلق له ، يقول : يا رب تقدر قبل أن تخلق في القدرة ، وتقدر مع خلقها ، وتقدر بعدها ، وأنت على الحقيقة في الأمور كلها تصرف وتحل لمقدوراتك وكذلك في العلم ، وفيه أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله تعالى ، وصرف أزمتها والتبرء من الحول والقوة إليه ، وأن لا يروم شيئا من دقيق الأمور ولا جليلها حتى يسأل الله فيه ، ويسأله أن يحمله فيه على الخير ، ويصرف عنه الشر إذعانا بالافتقار إليه في كل أمره ، والتزاما لذاته بالعبودية له ، وتبركا لاتباع سنة سيد المرسلين في الاستخارة ، وربما قدر ما هو خير ويراه شرا نحو قوله تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وفيه في قوله : " وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي " حجة على القدرية الذين زعموا أن الله لا يخلق الشر ، تعالى الله عما يفترون ، فقد بان في هذا الحديث أن الله تعالى هو المالك للشر والخالق له ، وهو المدعو لصرفه عن العبد من نفسه ، وما يقدر على اختراعه دون أن يقدر الله عليه . ( فإن قلت ) : هل يستحب تكرار الاستخارة في الأمر الواحد إذا لم يظهر له وجه الصواب في الفعل أو الترك ، ما لم ينشرح صدره لما يفعل . ( قلت ) : بلى يستحب تكرار الصلاة والدعاء لذلك ، وقد ورد في حديث تكرار الاستخارة سبعا في عمل اليوم والليلة لابن السني من رواية إبراهيم بن البراء ، قال : " حدثني أبي ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ، ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك ، فإن الخير فيه " قال النووي في الأذكار : إسناده غريب . وفيه من لا أعرفهم ، قال شيخنا زين الدين : كلهم معروفون ، ولكن بعضهم معروف بالضعف الشديد ، وهو إبراهيم بن البراء ، والبراء هو ابن النضر بن أنس بن مالك ، وقد ذكره في الضعفاء العقيلي وابن حبان وابن عدي والأزدي قال العقيلي : يحدث عن الثقات بالبواطيل ، وقال ابن حبان : شيخ كان يدور بالشام يحدث عن الثقات بالموضوعات ، لا يجوز ذكره إلا على مثل القدح فيه . وقال ابن عدي : ضعيف جدا ، حدث بالبواطيل . فعلى هذا فالحديث ساقط لا حجة فيه ، نعم قد يستدل للتكرار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاثا . وقال النووي : إنه يستحب أن يقرأ في ركعتي الاستخارة في الأولى بعد الفاتحة : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقد سبقه إلى ذلك الغزالي ، فإنه ذكره في الإحياء كما ذكره النووي ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : لم أجد في شيء من طرق أحاديث الاستخارة تعيين ما يقرأ فيهما .