18 - بَاب النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى مَا يَشْغَلُكَ عَنْهَا
218 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ ، فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أبِي جَهْمٍ ، فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي
.

[1/361] 18 - بَابُ النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى مَا يَشْغَلُكَ عَنْهَا
بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْ يُلْهِيكَ ، قَالَ الْمَجْدُ : شَغَلَهُ كَمَنَعَهُ شَغْلًا وَيُضَمُّ ، وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيَّةٌ .
220 218 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ) وَاسْمُهُ بِلَالٌ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا عَلْقَمَةُ ابْنُ أُمِّ عَلْقَمَةَ ، وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ بِلَا خِلَافٍ ، وَأَمَّا أَبُوهُ فَقَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ مَوْلَاهَا أَيْضًا .
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : كَانَ عَلْقَمَةُ ثِقَةً مَأْمُونًا ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيٌّ عَنْ أَبِيهِ : تَعَلَّمْتُ النَّحْوَ فِي كِتَابِ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ ، وَكَانَ نَحْوِيًّا .
( عَنْ أُمِّهِ ) مَرْجَانَةَ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ ، وَثَّقَهَا ابْنُ حِبَّانَ .
( أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَكَذَا الْجَمِيعُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ وَسَقَطَ لِيَحْيَى عَنْ أُمِّهِ وَهُوَ مِمَّا عُدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
( قَالَتْ : أَهْدَى أَبُو جَهْمٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ، وَيُقَالُ فِيهِ أَبُو جُهَيْمٍ بِالتَّصْغِيرِ ( ابْنُ حُذَيْفَةَ ) بْنِ غَانِمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَوِيجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ : اسْمُهُ عَامِرٌ ، وَقَالَ سَعْدٌ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُمَا : اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالضَّمِّ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلَمَةِ الْفَتْحِ كَانَ مِنْ مُعَمَّرِي قُرَيْشٍ وَمَشْيَخَتِهِمْ وَنُسَّابِهِمْ ، حَضَرَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ حِينَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ وَحِينَ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ : وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ ضَرَّابًا لِلنِّسَاءِ ، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبٍ أَنَّ أَبَا جَهْمٍ حَضَرَ بِنَاءَ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلْكَعْبَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ مَوْتِهِ إِلَى أَوَائِلِ خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ .
( لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمِيصَةً ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ كِسَاءٌ رَقِيقٌ مُرَبَّعٌ وَيَكُونُ مِنْ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ ، وَقِيلَ : لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً ، سُمِّيَتْ خَمِيصَةً لِلِينِهَا وَرِقَّتِهَا وَصِغَرِ حَجْمِهَا إِذَا طُوِيَتْ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَمَصِ وَهُوَ ضُمُورُ الْبَطْنِ ، وَفِي التَّمْهِيدِ الْخَمِيصَةُ كِسَاءٌ رَقِيقٌ قَدْ يَكُونُ بِعَلَمٍ وَبِغَيْرِ عَلَمٍ ، وَقَدْ يَكُونُ أَبْيَضَ مُعَلَّمًا ، وَقَدْ يَكُونُ أَصْفَرَ وَأَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَهِيَ مِنْ لِبَاسِ أَشْرَافِ الْعَرَبِ .
( شَامِيَّةً لَهَا ) بِالتَّأْنِيثِ عَلَى لَفْظِ خَمِيصَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا كِسَاءٌ .
( عَلَمٌ ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَهُ [1/362] أَعْلَامٌ ، فَالْمُرَادُ الْجِنْسُ ( فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ ) أَيْ صَلَّى وَهُوَ لَابِسٌ لَهَا .
( فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ) لِعَائِشَةَ ( رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا ) ، وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهُ أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فِي الصَّلَاةِ ( فَكَادَ يَفْتِنُنِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ أَيْ يَشْغَلُنِي عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ ، فَإِنَّ كَادَ تَقْتَضِي الْقُرْبَ وَتَمْنَعُ الْوُقُوعَ ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَا يَخْطَفُ الْبَرْقُ بَصَرَ أَحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةَ 20 ) ؛ وَلِذَا أَوَّلُوا قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : " فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي " بِأَنَّ الْمَعْنَى قَارَبَتْ أَنْ تُلْهِيَنِي فَإِطْلَاقُ الْإِلْهَاءِ مُبَالَغَةٌ فِي الْقُرْبِ لَا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ الْإِلْهَاءِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ قَبُولُ الْهَدَايَا ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْبَلُهَا وَيَأْكُلُهَا ، وَالْهَدِيَّةُ مُسْتَحَبَّةٌ مَا لَمْ يَسْلُكْ بِهَا طَرِيقَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ أَوْ أَخْذٍ عَلَى حَقٍّ يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ ، وَأَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِعُ فِيهَا فَلَهُ قَبُولُهَا بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمَرْءَ فِي صَلَاتِهِ وَلِمَ يَمْنَعْهُ مِنْ إِقَامَةِ فَرَائِضِهَا وَأَرْكَانِهَا لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا وَمُبَادَرَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَصَالِحِ الصَّلَاةِ وَنَفْيِ مَا لَعَلَّهُ يَحْدُثُ فِيهَا ، وَأَمَّا بَعْثُهُ بِالْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَلْبَسَهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ حَيْثُ بَعَثَ بِهَا إِلَى عُمَرَ : " إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا " ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ : كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي .
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ لِلصُّوَرِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ الطَّاهِرَةِ وَالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ يَعْنِي فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهَا .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا رَدَّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ كَرِهَهَا وَلَمْ يَكُنْ يَبْعَثُ إِلَى غَيْرِهِ مَا كَرِهَهُ لِنَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ لِعَائِشَةَ : لَا تَتَصَدَّقِي بِمَا لَا تَأْكُلِينَ ، وَكَانَ أَقْوَى الْخَلْقِ عَلَى دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ ، لَكِنْ لَمَّا أَعْلَمَ أَبُو جَهْمٍ بِمَا نَابَهُ فِيهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْبَسُهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الشَّغْلَ بِهَا عَنِ الْخُشُوعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِمَا نَابَهُ لِتَطِيبَ نَفْسُهُ وَيَذْهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : أَوْ لِيَقْتَدِيَ بِهِ فِي تَرْكِ لِبْسِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ، اهـ .
وَاسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ مِنَ الْحَدِيثِ كَرَاهَةَ النَّظَرِ إِلَى كُلِّ مَا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَاةِ مِنْ صَبْغٍ وَعَلَمٍ وَنُقُوشٍ وَنَحْوِهَا لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ : النَّظَرُ إِلَى مَا يَشْغَلُكَ عَنْهَا فَعَمَّ ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِخَمِيصَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْبَاجِيُّ صِحَّةَ الْمُعَاطَاةِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الصِّيغَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهُ أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي " .