462 438 - وَالثَّانِي : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ [7/234] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ .
وَفِي حَدِيثِ خُبَيْبٍ زِيَادَةٌ : " وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي " .

10258 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : " مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ " . فَقَالَ : مِنْهُمْ قَائِلُونَ : تُرْفَعُ تِلْكَ الْبُقْعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُجْعَلُ رَوْضَةً مِنَ الْجَنَّةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا عَلَى الْمَجَازِ .
10259 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنُونَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ جُلُوسُهُ وَجُلُوسُ النَّاسِ إِلَيْهِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالدِّينَ وَالْإِيمَانَ هُنَالِكَ ; شَبَّهَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالرَّوْضَةِ لِكَرِيمِ مَا يُجْتَنَى فِيهَا وَأَضَافَهَا إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ ( عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ) : " الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ " يَعْنِي : أَنَّهُ عَمَلٌ يُدْخِلُ الْمُسْلِمَ الْجَنَّةَ .
10260 - وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " الْأُمُّ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ " يُرِيدُ : أَنَّ بِرَّهَا يَقُودُ الْمُسْلِمَ إِلَى الْجَنَّةِ .
[7/235] 10261 - وَمِثْلُ هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ .
10262 - وَقَدِ اسْتَدَلَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ ، وَرَكَّبُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَوْضِعُ سَوْطٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " .
10263 - وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَا يَدْخُلُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ تَزْهِيدًا فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبًا فِي الْآخِرَةِ ، وَإِعْلَامًا بِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .
10264 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَوْضِعَ رُبُعِ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالَّذِي فِيهَا .
10265 - وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْبِقَاعَ أَرْضُ اللَّهِ وَخَلْقُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِتَوْقِيفِ مَنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِنَقْلٍ لَا مُدْفَعَ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ .
10266 - وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ وَيَقْطَعُ الْخِلَافَ فِيهَا .
[7/236] 10276 - وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ : " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَلَوْلَا أَنْ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ " .
10268 - وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوَهِمَ فِيهِ إِذْ جَعَلَهُ لِأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ فَجَعَلُوا الْحَدِيثَ لِأَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ .
10269 - وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ لِأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ مَعًا .
10270 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ
.
10271 - وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ زَبَالَةَ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، مُجْمَعٌ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ ، وَقَدِ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي حِينِ [7/237] خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ " اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَسَكِّنِي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ " .
10272 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي نَكَارَتِهِ وَوَضْعِهِ
.
10273 - وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ، بِالْهِنْدِ قَالَ : يَا رَبِّ هَذِهِ الْأَرْضُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تُعْبَدَ فِيهَا ؟ قَالَ : بَلْ مَكَّةُ . فَسَارَ آدَمُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَوَجَدَ عِنْدَهَا مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى . فَقَالُوا : مَرْحَبًا يَا آدَمُ ، يَا أَبَا الْبَشَرِ ، إِنَّا نَنْتَظِرُكَ هَاهُنَا مُنْذُ أَلْفَيْ سَنَةٍ .
10274 - وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي " التَّمْهِيدِ " بِالْآثَارِ وَالْأَسَانِيدِ .
10275 - وَحَسْبُكَ بِمَكَّةَ أَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ الَّذِي رَضِيَ لِعِبَادِهِ عَلَى الْحَطِّ لِأَوْزَارِهِمْ وَغُفْرَانِ ذُنُوبِهِمْ أَنْ يَقْصِدُوهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَعْمَارِهِمْ ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ صَلَاةً إِلَّا بِاسْتِقْبَالِ جِهَتِهِ بِصَلَاتِهِ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِهَةِ قَادِرًا عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، فَهِيَ قِبْلَةُ أَهْلِ دِينِهِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، وَالْآثَارُ عَنِ السَّلَفِ فِي فَضَائِلِ مَكَّةَ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
10276 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ : " وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي " فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي مَعَانِي الْآثَارِ أَنَّهُ أَرَادَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ لَهُ مِنْبَرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى حَوْضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ قَالَ : وَلِي أَيْضًا عَلَى حَوْضِي أَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْحَوْضِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِنْبَرَهُ ذَلِكَ عَلَى حَوْضِهِ . 50 [7/238]
10277 - وَقَالَ آخَرُونَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعَالَى - يُعِيدُ ذَلِكَ الْمِنْبَرَ بِعَيْنِهِ فَيَكُونُ يَوْمَئِذٍ عَلَى حَوْضِهِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
10278 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ فِي الْحَوْضِ فِي كِتَابِ " التَّمْهِيدِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .