وقال هشام بن الغاز أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا ، وقال : هذا يوم الحج الأكبر ، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اشهد وودع الناس فقالوا : هذه حجة الوداع .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهشام بن الغاز بالغين المعجمة وتخفيف الزاي بلفظ الفاعل من الغزو بحذف الياء وإثباتها ابن ربيعة بفتح الراء الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة ، مات سنة سبع وخمسين ومائة ، وهذا تعليق وصله أبو داود ، حدثنا المؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال : حدثنا نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : أي يوم هذا ؟ فقالوا : يوم النحر ، فقال : هذا يوم الحج الأكبر . ورواه ابن ماجه أيضا والطبراني .
قوله : " بين الجمرات " بفتح الجيم والميم جمع جمرة ، وفيه تعيين المكان الذي وقف فيه كما أن في الرواية التي قبلها تعيين الزمان ، وكما أن في حديثي ابن عباس وأبي بكرة تعيين اليوم ووقع تعيين الوقت في اليوم في رواية رافع بن عمرو المزني عند أبي داود والنسائي ولفظه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى . الحديث .
قوله : " في الحجة التي حج " ووقع في رواية الكشميهني " في حجته التي حج " وللطبراني " في حجة الوداع " قوله : " بهذا " قال الكرماني : أي وقف متلبسا بهذا الكلام المذكور ، واستغرب بعضهم من الكرماني هذا التفسير ، وقال بهذا أي بالحديث الذي تقدم من طريق محمد بن زيد عن جده .
( قلت ) : في طريق محمد بن زيد عن جده " قالوا : الله ورسوله أعلم " وفي طريق هشام بن الغاز الذي وصله أبو داود وابن ماجه قالوا " يوم النحر " وهذا كما ترى مختلف لأن طريق محمد بن زيد فيه التفويض ، وفي طريق هشام الجواب بيوم النحر فيما رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ، وكان في طريق هشام ورد اللفظان المذكوران أعني التفويض والجواب ، وفي تعليق البخاري عنه اللفظ هو التفويض فلذلك فسر الكرماني لفظة بهذا بقوله أي وقف متلبسا بهذا الكلام المذكور ، وأراد بالكلام المذكور قولهم الله ورسوله أعلم وهو التفويض وهذا هو الوجه فلا ينسب إلى الاستغراب لأن كلمة الباء في قوله بهذا تتعلق بقوله وقف النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن تأمل سر التراكيب لم يزغ عن طريق الصواب .
قوله : " وقال هذا يوم الحج الأكبر " أي يوم النحر هذا هو يوم الحج الأكبر ، واختلفوا فيه فقيل هو الذي يقال له [10/83] الحج الأكبر والعمرة يقال لها : الحج الأصغر ، وقيل : الحج الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو واقفا فيه الحج الأكبر ، وقيل : إنما قال عليه الصلاة والسلام : هذا يوم الحج الأكبر ، لاجتماع المسلمين والمشركين فيه وموافقته لأعياد أهل الكتاب .
وقال الترمذي باب ما جاء في الحج الأكبر ، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ، حدثنا أبي عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه قال : سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن يوم الحج الأكبر ، فقال : يوم النحر . ورواه الترمذي رحمه الله تعالى أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه موقوفا ، وقال : وهو الأصح .
( قلت ) : انفرد الترمذي بإخراجه مرفوعا وموقوفا ، وقد روي من غير طريق ابن إسحاق عن أبي إسحاق مرفوعا ، ورواه ابن مردويه في تفسيره من رواية مغيرة الضبي ومن رواية الأجلح كلاهما عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه
، وفي الباب عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر الآن ، وعن أبي هريرة رواه أبو داود عنه ، قال : بعثني أبو بكر رضي الله تعالى عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج .
وعن عبد الله بن أبي أوفى رواه ابن مردويه في تفسيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يوم الأضحى يوم الحج الأكبر . وفي إسناده ضعف .
وعن عمرو بن الأحوص رواه الترمذي في حديث طويل في الفتن والتفسير عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : فقال : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم الحج الأكبر .
وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رواه النسائي عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخطومة ، فقال : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم النحر . قال : صدقتم يوم الحج الأكبر .
وقد ورد أن الحج الأكبر يوم عرفة وهو ما رواه ابن مردويه في تفسيره من رواية ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن هذا اليوم يوم الحج الأكبر .
ولا يعارض هذا الأحاديث المذكورة لمجيئها من عدة طرق صحيحة بخلاف حديث المسور لأنه فرد أو تؤول هذا كتأويل قوله : " الحج عرفة " على معنى أن الوقوف هو المهم من أفعاله لكون الحج يفوت بفواته ، وكذلك قوله : " يوم النحر يوم الحج الأكبر " بمعنى أن أكثر أفعال الحج من الرمي والحلق والطواف فيه وفي شرح الترمذي لشيخنا زين الدين رحمه الله تعالى .
واختلف العلماء في يوم الحج الأكبر على أقوال : أحدها : أنه يوم النحر وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن أبي أوفى والشعبي ومجاهد . والقول الثاني : أنه يوم عرفة ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر . والقول الثالث : أنه أيام الحج كلها وقد يعبر عن الزمان باليوم كقولهم يوم بعاث ويوم الجمل ويوم صفين ونحو ذلك وهو قول سفيان الثوري ، وقال مجاهد : الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وروى ابن مردويه في تفسيره من رواية الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . زاد في رواية " بالناس " .
قوله : " فطفق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول " اعلم أن طفق من أفعال المقاربة وهي على ثلاثة أنواع منها ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر ، وكلمة طفق من هذا القبيل وهو يعمل عمل كاد إلا أن خبره يجب أن يكون جملة ، وهاهنا قول يقول جملة وقعت خبرا له ، وقال الجوهري : طفق يفعل كذا يطفق طفقا أي جعل يفعل ومنه قوله تعالى " وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ " قال الأخفش : وبعضهم يقول : طفق بالفتح يطفق طفوقا انتهى .
( قلت ) : الأول من باب علم يعلم ، والثاني من باب ضرب يضرب فافهم ، ووقع في رواية ابن ماجه وغيره بين قوله : " يوم الحج الأكبر " وبين قوله : " فطفق " من الزيادة وهي قوله : " ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم " .
قوله : " فودع الناس " لأنه علم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى ولا اجتماع آخر مثل ذلك ، وسبب ذلك ما رواه البيهقي وهو أنه أنزلت " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق ، وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه فقال : يا أيها الناس إن كل دم كان في الجاهلية . الحديث بطوله ، ورواه ابن أبي شيبة ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : إن هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه [10/84] الوداع . الحديث بطوله ، وموسى بن عبيدة ضعيف . قوله : " فقالوا " أي الصحابة : هذه الحجة حجة الوداع ، والوداع بفتح الواو وجاء بكسرها .