16 - ( حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال : انطلق نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافروها ، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم ، فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا ، لعله أن يكون عند بعضهم شيء ، فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه ، فهل عند أحد منكم من شيء ، فقال بعضهم : نعم والله إني لأرقي ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا ، فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ويقرأ : الحمد لله رب العالمين ، فكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشي وما به قلبة ، قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : أقسموا ، فقال الذي رقى : لا تفعلوا حتى نأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان ، فننظر ما يأمرنا ، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له فقال : وما يدريك أنها رقية ؟ ثم قال : قد أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم سهما ، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) .

مطابقته للترجمة في قوله : فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وهو الرقية بفاتحة الكتاب .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، الثاني : أبو عوانة بفتح العين الوضاح بن عبد الله اليشكري ، الثالث : أبو بشر - بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة - هو جعفر بن أبي وحشية ، وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه واسم أبيه أبو وحشية إياس ، الرابع : أبو المتوكل ، واسمه علي بن داود بضم الدال المهملة وتخفيف الواو ، وقيل : داود الناجي - بالنون والجيم - السامي بالسين المهملة ، مات سنة اثنتين ومائة ، الخامس : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك ، مشهور باسمه وكنيته .
[12/99] ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رجال هذا الحديث كلهم مذكورون بالكنى ، وهذا غريب جدا ، وفيه أن شيخه ومن بعده كلهم بصريون غير أبي عوانة فإنه واسطي ، وفيه عن أبي بشر عن أبي المتوكل عن أبي سعيد ، وقد ذكر البخاري في آخر الباب بتصريح أبي بشر بالسماع منه ، وتابع أبو عوانة على هذا الإسناد شعبة ، كما في آخر الباب ، وهشيم كما أخرجه مسلم والنسائي ، وخالفهم الأعمش ، فرواه عن جعفر بن أبي وحشية ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، جعل بدل أبي المتوكل أبا نضرة ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريقه ، وقال الترمذي : طريق شعبة أصح من طريق الأعمش ، وقال ابن ماجه : هو الصواب ، وقال ابن العربي : فيه اضطراب وليس بشيء .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطب عن موسى بن إسماعيل ، وفيه عن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في الطب عن بندار ، وأبي بكر بن نافع عن غندر به ، وعن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه وفي البيوع عن مسدد ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه وفي اليوم والليلة عن بندار به ، وعن زياد بن أيوب ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن أبي كريب ، وأوله بعثنا في ثلاثين راكبا .
( ذكر معناه ) قوله : " انطلق نفر " النفر رهط الإنسان وعشيرته ، وهو اسم جمع يقع على جماعة الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه ، قال ابن الأثير : ويجمع على أنفار ، وهذا يدل على أنهم ما كانوا أكثر من العشرة ، وفي سنن ابن ماجه : بعثنا في ثلاثين راكبا ، وفي رواية الأعمش عند الترمذي : بعثنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثلاثين رجلا ، فنزلنا بقوم ليلا فسألناهم القرى ، أي الضيافة ، وفيه عدد السرية ووقت النزول ، وفي رواية الدارقطني : بعث سرية عليها أبو سعيد وفيها تعيين أمير السرية ، والسرية : طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة ، تبعث إلى العدو ، وتجمع على السرايا ، قوله : " حي " اعلم أن طبقات أنساب العرب ست : الشعب - بفتح الشين - وهو النسب الأبعد كعدنان مثلا ، وهو أبو القبائل الذين ينسبون إليه ، ويجمع على شعوب ، والقبيلة : وهي ما انقسم به الشعب ، كربيعة ومضر ، والعمارة - بكسر العين - وهي ما انقسم فيه أنساب القبيلة كقريش وكنانة ، ويجمع على عمارات وعمائر ، والبطن : وهي ما انقسم فيه أنساب العمارة ، كبني عبد مناف ، وبني مخزوم ، ويجمع على بطون وأبطن ، والفخذ : وهي ما انقسم فيه أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية ويجمع على أفخاذ ، والفصيلة : بالصاد المهملة وهي ما انقسم فيه أنساب الفخذ كبني العباس ، وأكثر ما يدور على الألسنة من الطبقات القبيلة ثم البطن ، وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي ، إما على العموم مثل أن يقال حي من العرب ، وإما على الخصوص مثل أن يقال حي من بني فلان .
وقال الهمداني في الأنساب : الشعب والحي بمعنى ، قوله : " فاستضافوهم " أي طلبوا منهم الضيافة ، قوله : " فأبوا " أي امتنعوا من أن يضيفوهم بالتشديد من التضييف ويروى بالتخفيف ، وقال ثعلب : ضفت الرجل إذا أنزلت به ، وأضفته إذا أنزلته ، وقال ابن التين : ضبطه في بعض الكتب أن يضيفوهم بفتح الياء والوجه ضمها ، قوله : " فلدغ " على بناء المجهول من اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة ، وهو اللسغ وزنا ومعنى ، وأما اللذغ بالذال المعجمة والعين المهملة فهو الإحراق الخفيف ، واللدغ في الحديث : ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب ، وقد بين في الترمذي أنها عقرب ( فإن قلت ) عند النسائي من رواية هشيم أنه مصاب في عقله أو لديغ ( قلت ) هذا شك من هشيم ، ورواه الباقون أنه لديغ ، ولم يشكوا خصوصا تصريح الأعمش بأنه لديغ من عقرب ، وسيأتي في فضائل القرآن من طريق معبد بن سيرين بلفظ : إن سيد الحي سليم ، وكذا في الطب من حديث ابن عباس أن سيد القوم سليم ، والسليم هو اللديغ ، قيل له ذلك تفاؤلا بالسلامة ، وقيل : لاستسلامه بما نزل به ( فإن قلت ) جاء في رواية أبي داود والنسائي والترمذي من طريق خارجة بن الصلت عن عمه أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون موثق في الحديد ، فقالوا : إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل ، وفي لفظ عن خارجة بن الصلت عن عمه يعني علاقة بن صحار أنه رقى مجنونا موثقا بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كل يوم مرتين فبرأ ، فأعطوني مائتي شاة فأخبرت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : " خذها ولعمري من أكل برقية [12/100] باطل فقد أكلت برقية حق " ( قلت ) هما قضيتان لأن الراقي هناك أبو سعيد ، وهنا علاقة بن صحار وبينهما اختلاف كثير ، قوله : " جعلا " بضم الجيم وهو الأجرة على الشيء ، ويقال أيضا : جعالة ، والجعل بالفتح مصدر يقال : جعلت لك كذا جعلا وجعلا ، قوله : " فسعوا له بكل شيء " أي مما جرت به العادة أن يتداوى به من لدغة العقرب ، وقال الخطابي : يعني عالجوا طلبا للشفاء ، يقال : سعى له الطبيب عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشفاء ، وفي رواية الكشميهني : فشفوا ، بالشين المعجمة والفاء ، وعليه شرح الخطابي فقال : معناه طلبوا له الشفاء ، يقال : شفى الله مريضي إذا أبرأه ، وشفى له الطبيب أي عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشفاء ، وادعى ابن التين أن هذا تصحيف ( قلت ) الذي قاله أقرب قوله : " لو أتيتم هؤلاء الرهط " قال ابن التين : قال : تارة نفرا وتارة رهطا ، قوله : " لو أتيتم " جواب لو محذوف ، أو هو للتمني ، قوله : " فأتوهم " وفي رواية معبد بن سيرين أن الذي جاء في الرسلية جارية منهم فيحمل على أنه كان معها غيرها ، قوله : " وسعينا " ، وفي رواية الكشميهني : فشفينا ، من الشفاء كما ذكرنا عن قريب ، قوله : " فقال بعضهم " ، وفي رواية أبي داود ، فقال رجل من القوم : نعم والله إني لأرقي بكسر القاف ، وبين الأعمش أن الذي قال ذلك أبو سعيد راوي الخبر ولفظه قلت : نعم أنا ولكن لا أرقيه حتى تعطونا غنما .
( فإن قلت ) في رواية معبد بن سيرين أخرجها مسلم فقام منا رجل ما كنا نظنه يحسن رقية ، وسيأتي في فضائل القرآن فلما رجع قلنا له أكنت تحسن رقية ففي هذا ما يشعر بأنه غيره ( قلت ) لا مانع من أن يكني الرجل عن نفسه ، وهو من باب التجريد فلعل أبا سعيد صرح تارة وكنى أخرى ، ووقع في حديث جابر رواه البزار فقال رجل من الأنصار : أنا أرقيه ، وأبو سعيد أنصاري ، وحمل بعض الشارحين ذلك على تعدد القصة ، وكان أبو سعيد روى قصتين كان في إحداهما راقيا ، وفي الأخرى كان غيره ، قيل : هذا بعيد جدا لاتحاد مخرج الحديث والسياق والسبب ، قوله : " فصالحوهم " أي وافقوهم ، قوله : " غنم على قطيع من الغنم " والقطيع طائفة من الغنم والمواشي ، وقال الداودي : يقع على ما قل وكثر ، وفي رواية النسائي ثلاثون شاة ، قوله : " يتفل عليه " من تفل بالتاء المثناة من فوق يتفل بكسر الفاء وضمها تفلا ، وهو نفخ معه قليل بصاق ، وقال ابن بطال : التفل البصاق ، وقيل : محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق ، فتحصل البركة في الريق الذي يتفله ، قوله : " ويقرأ الحمد لله رب العالمين " ، وفي رواية شعبة : فجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب ، وكذا في حديث جابر ، وفي رواية الأعمش : فقرأت عليه وأنه سبع مرات ، وفي رواية جابر ثلاث مرات ، قوله : " نشط " بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي المجرد ، كذا وقع في رواية الجميع ، وقال الخطابي : وهو لغة والمشهور نشط إذا عقد وأنشط إذا حل ، يقال : نشطته إذا عقدته ، وأنشطته إذا حللته وفكيته ، وعند الهروي فكأنما نشط من عقال ، وقيل : معناه أقيم بسرعة ، ومنه يقال : رجل نشيط ، والعقال بكسر العين المهملة وبالقاف هو الحبل الذي يشد به ذراع البهيمة ، قوله : " يمشي " جملة وقعت حالا ، قوله : " قلبة " بالفتحات أي علة ، وقيل للعلة قلبة ؛ لأن الذي تصيبه يتقلب من جنب إلى جنب ليعلم موضع الداء ، وبخط الدمياطي أنه داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه ، قاله ابن الأعرابي ، قوله : " فقال الذي رقى " بفتح القاف ، قوله : " فننظر ما يأمرنا " أي فنتبعه ، ولم يريدوا أن يكون لهم الخيرة في ذلك ، قوله : " وما يدريك أنها رقية " ، قال الداودي : معناه وما أدراك ، وقد روى كذلك ، ولعله هو المحفوظ لأن ابن عيينة قال : إذا قال وما يدريك فلم يعلم ، وإذا قال وما أدراك فقد أعلم ، واعترض بأن ابن عيينة إنما قال ذلك فيما وقع في القرآن ، ولا فرق بينهما في اللغة أي في نفي الدارية ، ووقع في رواية هشيم : وما أدراك ، وفي رواية الدارقطني : وما علمك أنها رقية ، قال : حق القي في روعي ، وهذه الكلمة أعني : وما أدراك ، وما يدريك تستعمل عند التعجب من الشيء ، وفي تعظيمه ، قوله : " قد أصبتم " أي في الرقية ، قوله : " واضربوا لي سهما " أي اجعلوا لي منه نصيبا وكأنه أراد المبالغة في تصويبه إياهم كما وقع له في قصة الحمار الوحشي ، وغير ذلك .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز الرقية بشيء من كتاب الله تعالى ، ويلحق به ما كان من الدعوات المأثورة أو مما يشابهها ، ولا يجوز بألفاظ مما لا يعلم معناها من الألفاظ الغير العربية وفيه خلاف .
فقال الشعبي ، وقتادة ، وسعيد بن جبير ، وجماعة آخرون : يكره الرقي ، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاما بالله تعالى وتوكلا عليه وثقة به وانقطاعا إليه [12/101] وعلما بأن الرقية لا تنفعه وأن تركها لا يضره إذ قد علم الله تعالى أيام المرض وأيام الصحة ، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء وعلى تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك ، قال الله تعالى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين ، أخرجه الطحاوي من حديث أبي مجلز قال : كان عمران بن حصين ينهى عن الكي فابتلي ، فكان يقول : لقد اكتويت كية بنار فما أبرأتني من إثم ولا شفتني من سقم ، وقال الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والزهري ، والثوري ، والأئمة الأربعة ، وآخرون : لا بأس بالرقى ، واحتجوا في ذلك بحديث الباب وغيره .
وفيه جواز أخذ الأجرة وقد ذكرناه عن قريب مستوفى .
وفيه أن سورة الفاتحة فيها شفاء ؛ ولهذا من أسمائها الشافية ، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا : فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم ، ولأبي داود من حديث ابن مسعود مرض الحسن أو الحسين فنزل جبرائيل - عليه الصلاة والسلام - فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل يديه ورجليه ورأسه ، وقال ابن بطال : موضع الرقية منها : إياك نستعين ، وعبارة القرطبي موضعها إياك نعبد وإياك نستعين ، والظاهر أنها كلها رقية لقوله : وما يدريك أنها رقية ، ولم يقل فيها : فيستحب قراءتها على اللديغ والمريض وصاحب العاهة .
وفيه مشروعية الضيافة على أهل البوادي والنزول على مياه العرب والطلب مما عندهم على سبيل القرى أو الشرى .
وفيه مقابلة من امتنع من المكرمة بنظير صنيعه كما صنعه الصحابي من الامتناع من الرقية في مقابلة امتناع أولئك من ضيافتهم وهذا طريقة موسى - عليه السلام - في قوله : لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ولم يعتذر الخضر - عليه السلام - عن ذلك إلا بأمر خارج عن ذلك .
وفيه الاشتراك في الموهوب إذا كان أصله معلوما ، وفيه جواز قبض الشيء الذي ظاهره الحل وترك التصرف فيه إذا عرضت فيه شبهة ، وفيه عظمة القرآن في صدور الصحابة خصوصا الفاتحة ، وفيه أن الرزق الذي قسم لأحد لا يفوته ولا يستطيع من هو في يده منعه منه ، وفيه الاجتهاد عند فقد النص .