باب الشفاعة في وضع الدين

أي هذا باب في بيان الشفاعة في وضع الدين أي حط شيء من أصل الدين ، وكذا فسره ابن الأثير في قوله صلى الله عليه وسلم " من أنظر معسرا أو وضع له " ، وليس المراد من الوضع إسقاطه بالكلية .
20 - حدثنا موسى ، حدثنا أبو عوانة ، عن مغيرة ، عن عامر ، عن جابر رضي الله عنه قال : أصيب عبد الله وترك عيالا ودينا ، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا من دينه فأبوا ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستشفعت به عليهم فأبوا ، فقال : صنف تمرك كل شيء منه على حدته : عذق ابن زيد على حدة ، واللين على حدة ، والعجوة على حدة . ثم أحضرهم حتى آتيك ، ففعلت ، ثم جاء فقعد عليه وقال لكل رجل حتى استوفى وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس ، وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم على ناضح لنا فأزحف الجمل فتخلف علي ، فوكزه النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ، قال : بعنيه ولك ظهره إلى المدينة ، فلما دنونا استأذنت ، فقلت : يا رسول الله ، إني حديث عهد بعرس ، قال صلى الله عليه وسلم : فما [12/245] تزوجت ؟ بكرا أم ثيبا ؟ قلت : ثيبا ، أصيب عبد الله وترك جواري صغارا ، فتزوجت ثيبا تعلمهن وتؤدبهن ، ثم قال : ائت أهلك ، فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني ، فأخبرته بإعياء الجمل وبالذي كان من النبي صلى الله عليه وسلم ووكزه إياه ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم غدوت إليه بالجمل فأعطاني ثمن الجمل والجمل وسهمي مع القوم .

مطابقته للترجمة في قوله " فاستشفعت به عليهم " ، والحديث مضى في كتاب البيوع في باب الكيل على البائع والمعطي ؛ فإنه أخرجه هناك عن عبدان عن جرير عن مغيرة عن الشعبي عن جابر . وهنا أخرجه عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ، عن أبي عوانة بفتح العين الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن مغيرة بن مقسم ، عن عامر الشعبي ، عن جابر بن عبد الله .
وقد مر الكلام فيه هناك ، ولنتكلم فيما لم يذكر هناك .
قوله " عبد الله " هو أبو جابر ، استشهد يوم أحد ، وهو معنى قوله " أصيب " ، وقال الذهبي : عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الخزرجي السلمي أبو جابر نقيب بدري قتل في أحد ، قوله " وترك عيالا " بكسر العين جمع عيل بتشديد الياء ، كجياد جمع جيد من عال عياله مانهم وأنفق عليهم ، وقد مضى أنه ترك سبع بنات أو تسعا .
قوله " فطلبت إلى أصحاب الدين " أي أنهيت طلبي إليهم ، وفي الأصل : الطلب يستعمل بدون صلة فلما قصد المبالغة استعمله بحرف الغاية ، قوله " صنف " أمر من التصنيف وهو أن يجعل الشيء أصنافا ويميز بعضها عن بعض ، قوله " على حدة " أي كل واحد على حياله والهاء عوض من الواو ، قوله " عذق ابن زيد " هو نوع من التمر جيد ، والعذق بفتح العين وكسرها وسكون الذال المعجمة ، وقيل : بالفتح النخلة ، قلت : وفي التوضيح بخط الدمياطي : عذق زيد ، قوله " واللين " بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف نوع من التمر ، وقيل : التمر الرديء ، وهو جمع لينة وهي النخلة . قاله ابن عباس ، أو النخل كله ما خلا البرني ، وقال الكرماني : اللين لو أن التمر ما خلا العجوة ، وأما العجوة فهي من أجود تمور المدينة ، ويقال : أهل المدينة يسمون العجوة ألوانا ، وقيل : اللين الدقل وأصله لون ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، قوله " وقال لكل رجل " أي أعطى لكل رجل من أصحاب الديون حتى استوفى حقه ، وقد مر أن قال : يستعمل لمعان كثيرة فكل معنى بحسب ما يليق به ، قوله " كما هو " كلمة " ما " موصولة مبتدأ وخبره محذوف أو زائدة أي كمثله ، وفي رواية : بقي منه بقية ، وفي أخرى : بقي منه أوسق ، وفي رواية : بقي منه سبعة عشر وسقا ، قوله " لم يمس " على صيغة المجهول ، قوله " على ناضح " بالضاد المعجمة والحاء المهملة وهو الجمل الذي يسقى عليه النخل ، قوله " فأزحف الجمل " أي كل وأعيى ، ومادته زاي وحاء مهملة وفاء ، يقال : أزحفه المسير إذا أعياه . وأصله أن البعير إذا تعب يجر رسنه وكأنه كنى بقوله " أزحف " على بناء الفاعل عن جره الرسن عن الإعياء ، وقال ابن التين : صوابه " فزحف " ثلاثي إلا أنه ضبط بضم الهمزة وكسر الحاء في أكثر النسخ وفي بعضها بفتحها والأول أبين ، قوله " فوكزه " بالزاي أي ضربه بالعصا ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي " وركزه " بالراء موضع الواو أي ركز فيه العصي والمراد به المبالغة في ضربه بها ، قوله " ولك ظهره إلى المدينة " أراد به ركوبه عليه إلى المدينة ، قوله " فلامني " من اللوم ، وكان لومه إما لكونه محتاجا إليه وإما لكونه باعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهبه منه ، قوله " وسهمي " بالنصب أي وأعطاني أيضا سهمي من الغنيمة ، ويروى " فسهمني " بلفظ فعل الماضي ، وفيه فوائد كثيرة ذكرناها هناك .