[15/109] 2 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : حدثنا جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب ، فأتاه ناس من بني تميم ، فقال : اقبلوا البشرى يا بني تميم ، قالوا : قد بشرتنا فأعطنا مرتين ، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ، قالوا : قد قبلنا يا رسول الله ، قالوا : جئناك نسألك عن هذا الأمر ، قال : كان الله ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض ، فنادى مناد : ذهبت ناقتك يا ابن الحصين ، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب ، فوالله لوددت أني كنت تركتها .

هذا طريق آخر لحديث عمران بن الحصين مع زيادة فيه ، قوله " جئناك " بكاف الخطاب هكذا رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : جئنا بلا كاف ، قوله " نسألك عن هذا الأمر " أي الحاضر الموجود ، ولفظ " الأمر " يطلق ويراد به المأمور ويراد به الشأن والحال ، وكأنهم سألوا عن أحوال هذا العالم .
قوله " كان الله ولم يكن شيء غيره " وسيأتي في التوحيد : ولم يكن شيء قبله ، في رواية غير البخاري : ولم يكن شيء معه ، ووقع هذا الحديث في بعض المواضع : كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان ، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث نبه عليه الإمام تقي الدين بن تيمية ، قوله " وكان عرشه على الماء " أي لم يكن تحته إلا الماء ، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض ، فإن قلت : بين هذه الجملة وما قبلها منافاة ظاهرة لأن هذه الجملة تدل على وجود العرش والجملة التي قبلها تدل على أنه لم يكن شيء ، قلت : هو من باب الإخبار عن حصول الجملتين مطلقا ، والواو بمعنى ثم ، فإن قلت : ما الفرق بين " كان " في " كان الله " وبين " كان " في " وكان عرشه " ، قلت : " كان " الأول بمعنى الكون الأزلي ، و" كان " الثاني بمعنى الحدث .
وفي قوله " وكان عرشه على الماء " دلالة على أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهم خلقا قبل خلق السماوات والأرض ، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء ، فإن قلت : إذا كان العرش والماء مخلوقين أولا فأيهما سابق في الخلق ؟ قلت : الماء ، لما روى أحمد والترمذي مصححا من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا : إن الماء خلق قبل العرش ، وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة أن الله تعالى لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء ، فإن قلت : روى أحمد والترمذي مصححا من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا : أول ما خلق الله القلم ، ثم قال : اكتب ، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة . واختاره الحسن وعطاء ومجاهد وإليه ذهب ابن جرير وابن الجوزي ، وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه قال : أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما ، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهارا أبيض مبصرا ، وقيل : أوما خلق الله تعالى نور محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : التوفيق بين هذه الروايات بأن الأولية نسبي ، وكل شيء قيل فيه إنه أول فهو بالنسبة إلى ما بعدها .
قوله " وكتب في الذكر " أي قدر كل الكائنات وأثبتها في الذكر أي اللوح المحفوظ ، قوله " تقطع " تفعل من التقطع وهو بلفظ الماضي وبلفظ المضارع من القطع ، قوله " السراب " بالرفع فاعله ، والسراب هو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء ، والمعنى : فإذا هي انتهى السراب عندها ، قوله " لوددت " أي لأحببت أني لو تركتها لئلا يفوت منه سماع كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
وقال المهلب : السؤال عن مبادئ الأشياء والبحث عنها جائز شرعا ، وللعالم أن يجيب عنها بما يعلم ، فإن خشي من السائل إيهام شك أو تقصير فلا يجيبه وينهاه عن ذلك .