( باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ) .

باب إنما يكون منونا إذا كان خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب فيه هل تصلي المرأة في ثوبها الذي حاضت فيه ، وهل استفهام استفسار وسؤال وجوابه محذوف ، تقديره : يجوز أو نحو ذلك .
ولا يخفى وجه المناسبة بين البابين ؛ لأن هذه الأبواب كلها فيما يتعلق بأحكام الحيض .
17 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت عائشة : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فقصعته بظفرها .

مطابقته لترجمة الباب من حيث أما من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه لا شك أنها تصلي فيه لكن بتطهيرها إياه ، دل عليه قولها : فإذا أصابه شيء من دم إلخ .
( ذكر رجاله وهم خمسة ) :
الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين .
الثاني : إبراهيم بن نافع بالنون والفاء المخزومي أوثق شيخ بمكة في زمانه .
الثالث : عبد الله بن أبي نجيح ، واسم أبي نجيح يسار ضد اليمين المكي .
الرابع : مجاهد بن جبر تكرر ذكره .
الخامس : عائشة رضي الله عنها .
( ذكر لطائف إسناده ) :
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين .
وفيه العنعنة في موضعين .

وفيه القول ، قيل : هذا الحديث منقطع ومضطرب ، أما الانقطاع فإن أبا حاتم ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وشعبة وأحمد ، قالوا : إن مجاهدا لم يسمع من عائشة ، وأما الاضطراب فلرواية أبي داود له عن محمد بن كثير ، عن إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبي نجيح ، ورد عليه بأن البخاري صرح بسماعه منها في غير هذا الإسناد في عدة أحاديث ، وكذا أثبت سماعه منها ابن المديني وابن حبان مع أن الإثبات مقدم على النفي ، أما الاضطراب الذي ذكره فهو ليس باضطراب ؛ لأنه محمول على أن إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين ، وشيخ البخاري أبو نعيم أحفظ من شيخ أبي داود ومحمد بن كثير ، وقد تابع أبا نعيم خالد بن يحيى وأبو حذيفة والنعمان بن عبد السلام فرجحت روايته ، والمرجوح لا يؤثر في الراجح .
والحديث أخرجه أبو داود أيضا فقال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : أخبرنا إبراهيم بن نافع ، قال : سمعت الحسن يعني أبا سليم يذكر ، عن مجاهد ، قال : قالت عائشة : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد فيه [3/281] تحيض فإذا أصابه شيء من دم بلته بريقها فمصعته بريقها .
( ذكر ما فيه من المعنى والحكم ) :
قولها لإحدانا ، أي : من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، قال الكرماني : فإن قلت : هذا النفي لا يلزم أن يكون عاما لكلهن لصدقه بانتفاء الثوب الواحد منهن ، قلت : هو عام إذ صدقه بانتفاء الثوب لكلهن ، وإلا لكان لإحداهن الثوب ، فيلزم الخلف ، ثم لفظ المفرد المضاف من صيغ العموم على الأصح .
قوله : ( تحيض ) فيه ، جملة في محل الرفع على أنها صفة لثوب .
قولها : قالت بريقها يعني صبت عليه من ريقها ، وقد ذكرنا أن القول يستعمل في غير معناه الأصلي بحسب ما يقتضيه المقام أو المعنى : بلته بريقها كما صرح به في رواية أبي داود .
قولها : فمصعته بظفرها ، يعني فركته ومادته ميم وصاد وعين مهملتان ، وفي رواية : فقصعته ، بالقاف والصاد والعين المهملتين كما في رواية أبي داود ، ومعنى قصعته : دلكته به ، ومعنى قصع القملة إذا شدخها بين أظفاره ، وأما قصع الرطبة فهو بالفاء ، وهو أن يأخذها بإصبعيه فيغمزها أدنى غمز فتخرج الرطبة خالصة قشرها . وقال ابن الأثير : قصعته ، أي : دلكته بظفرها . وقال البيهقي : هذا في الدم اليسير الذي يكون معفوا عنه ، وأما في الكثير منه فصح عنها أنها كانت تغسله .
قلت : هم لا يرون بأن اليسير من النجاسات عفو ولا يعفى عندهم منها عن شيء سواء كان قليلا أو كثيرا ، وهذا لا يمشي إلا على مذهب أبي حنيفة ، فإن اليسير عنده عفو ، وهو ما دون الدرهم ، فحينئذ الحديث حجة عليهم ؛ حيث اختصوا في إزالة النجاسة بالماء ، لا يقال : إن هذا الحديث معارض بحديث أم سلمة ؛ لأن فيه : فأخذت ثياب حيضتي ، وهو يدل على تعدد الثوب لإمكان كون عدم التعدد فيه في بدء الإسلام ؛ فإنهم كانوا حينئذ في شدة وقلة ، ولما فتح الله الفتوح واتسعت أحوالهم اتخذت النساء ثيابا للحيض سوى ثياب لباسهن ، فأخبرت أم سلمة عنه .
ومما يستنبط منه جواز إزالة النجاسة بغير الماء ؛ فإن الدم نجس ، وهو إجماع المسلمين ، وإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد بل المراد الإنقاء .