|
167 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن هشام بن عروة ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح قال إسماعيل : يعني بالعالية فقام عمر يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : وقال عمر : والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله قال : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا ، ثم خرج فقال : أيها الحالف على رسلك ، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا صلى الله عليه وسلم [16/184] قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال : فنشج الناس يبكون قال : واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول : والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر : لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا ، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر : بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس ، فقال قائل : قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر : قتله الله . وقال عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عبد الرحمن بن القاسم : أخبرني القاسم أن عائشة رضي الله عنها قالت : شخص بصر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : في الرفيق الأعلى ثلاثا وقص الحديث ، قالت عائشة : فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها لقد خوف عمر الناس وإن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك ، ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى ، وعرفهم الحق الذي عليهم ، وخرجوا به يتلون وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى الشَّاكِرِينَ
مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه فضيلة أبي بكر على سائر الصحابة حيث قدم على الكل فصار خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( ذكر رجال الحديث ) وهم خمسة : الأول إسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه عبد الله ابن أخت مالك بن أنس . الثاني سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي . الثالث هشام بن عروة . الرابع أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس عائشة أم المؤمنين . ( ذكر الرجال الذين فيه ) أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ، وسعد بن عبادة بن دلهم بن حارثة الأنصاري الساعدي ، وكان نقيب بني ساعدة عند جميعهم ، وشهد بدرا عند البعض ولم يبايع أبا بكر ولا عمر ، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة ، ولم يختلفوا أنه وجد ميتا على مغتسله قيل : إن قبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق وهو مشهور يزار إلى اليوم . وأبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح مات سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس ، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عميا . وحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى ابن المنذر بن الجموح الأنصاري السلمي ، وهو القائل يوم السقيفة : أنا جديلها المحنك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير . مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه . وعبد الله بن سالم أبو يوسف الأشعري الشامي ، مات سنة تسع وسبعين ومائة . والزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة ، واسمه محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الشامي الحمصي الزبيدي وقال ابن سعد : مات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو ابن سبعين سنة . وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وهذا الحديث من أفراده . [16/185] ذكر معناه . قوله : " وأبو بكر بالسنح " بضم السين المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة ، وضبطه أبو عبيد البكري بضم النون وقال : إنه منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي بينه وبين المسجد النبوي ميل ، وبه ولد عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ، وكان أبو بكر نازلا بها ومعه أسماء ابنته . وسكن هناك أبو بكر لما تزوج ابنة خارجة الأنصارية . قوله : " قال إسماعيل " هو شيخ البخاري المذكور وهو ابن أبي أويس . قوله : " يعني بالعالية " أراد تفسير قول عائشة بالسنح العالية ، والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال ، وأبعدها من جهة نجد ثمانية . والنسبة إليها علوي على غير قياس . قوله : " والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما حلف عمر رضي الله عنه على هذا بناء على ظنه حيث أدى اجتهاده إليه . قوله : " قالت " أي : عائشة رضي الله عنها . قوله : " ذلك " أي : عدم الموت . قوله : " وليبعثنه الله " أي : ليبعثن الله محمدا في الدنيا فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم وهم الذين قالوا بموته . قوله : " فجاء أبو بكر " أي : من السنح فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ، وقد مر في أول الجنائز . قالت عائشة : أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ، ثم أكب عليه فقبله ثم بكى . قوله : " بأبي أنت وأمي " أي : أنت مفدى بأبي وأمي . قوله : " حيا وميتا " أي : في حالة حياتك وحالة موتك . قوله : " لا يذيقك الله الموتتين " بضم الياء من الإذاقة ، وأراد بالموتتين الموت في الدنيا والموت في القبر ، وهما الموتتان المعروفتان المشهورتان ، فلذلك ذكرهما بالتعريف وهما الموتتان الواقعتان لكل أحد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإنهم لا يموتون في قبورهم بل هم أحياء ، وأما سائر الخلق فإنهم يموتون في القبور ثم يحيون يوم القيامة . ومذهب أهل السنة والجماعة أن في القبر حياة وموتا فلا بد من ذوق الموتتين لكل أحد غير الأنبياء . وقد تمسك بقوله : " لا يذيقك الله الموتتين " من أنكر الحياة في القبر وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم ، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأن المراد به نفي الحياة اللازم من الذي أثبته عمر رضي الله عنه بقوله : " ليبعثنه الله في الدنيا " ليقطع أيدي القائلين بموته فليس فيه من نفي موت عالم البرزخ . قوله : " ثم خرج " أي : ثم خرج أبو بكر من عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " على رسلك " بكسر الراء وسكون السين المهملة أي : اتئد في الحلف أو كن على رسلك أي : التؤدة لا تستعجل . قوله : " ألا من كان " كلمة ألا هنا للتنبيه على شيء يأتي أو يقوله . قوله : " فنشج الناس " بفتح النون وكسر الشين المعجمة بعدها جيم يقال : نشج الباكي إذا غص في حلقه البكاء ، وقيل : النشيج بكاء معه صوت نقله الخطابي وقيل : هو بكاء بترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره . وقال ابن فارس : نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب والنحيب بكاء مع صوت . قوله : " في سقيفة بني ساعدة " وهو موضع سقف كالسباط كان مجتمع الأنصار ودار ندوتهم ، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج وقال ابن دريد : ساعدة اسم من أسماء الأسد . قوله : " فقالوا " أي : الأنصار منا أمير ومنكم أمير إنما قالوا ذلك بناء على عادة العرب أن لا يسود القبيلة إلا رجل منهم ، ولم يعلموا حينئذ أن حكم الإسلام بخلاف ذلك ، فلما سمعوا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " الخلافة في قريش " أذعنوا لذلك وبايعوا الصديق . قوله : " خشيت أن لا يبلغه أبو بكر " خشيت بالخاء المعجمة من الخشية وهو الخوف ، ويروى " حسبت " بالحاء والسين المهملتين من الحسبان ، وفي رواية ابن عباس " قد كنت زورت " أي : هيأت وحسنت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد أي : الحدة فقال : على رسلك فكرهت أن أغضبه . قوله : " فتكلم أبلغ الناس " بنصب أبلغ على الحال ، وأبلغ أفعل التفضيل ، والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحة الكلام ، فالحال في الاصطلاح هي الأمور الداعية إلى التكلم على الوجه المخصوص ، ويجوز الرفع على الفاعلية كذا قاله بعض الشراح ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أولى ، فالتقدير فتكلم أبو بكر وهو أبلغ الناس وقال السهيلي : النصب أوجه ؛ ليكون تأكيدا لمدحه وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفا بذلك غيره ، وفي رواية ابن عباس قال عمر رضي الله تعالى عنه : ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . قوله : " فقال في كلامه " أي : فقال أبو بكر في جملة كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، كأنه أراد بهذا أن الإمارة أعني الخلافة لا تكون إلا في المهاجرين ، وأراد بقوله : " أنتم الوزراء " أنتم المستشارون في الأمور تابعون للمهاجرين ؛ لأن مقام الوزارة الإعانة [16/186] والمشورة والاتباع فقال حباب بن المنذر : لا والله لا نفعل يعني لا نرضى أن تكون الإمارة فيكم بل منا أمير ومنكم أمير ، أراد أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار ، فلم يرض أبو بكر بذلك وهو معنى قوله : " فقال أبو بكر : لا " يعني لا نرضى بما تقول لكنا نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، ثم بين وجه خصوصية المهاجرين بالإمارة بقوله : " هم أوسط العرب دارا أي : قريش أوسط العرب دارا أي : من جهة الدار وأراد بها مكة . وقال الخطابي : أراد بالدار أهل الدار ، وأراد بالأوسط الأخير والأشرف ، ومنه يقال : فلان من أوسط الناس أي : من أشرفهم وأحسبهم ، ويقال : هو من أوسط قومه أي : خيارهم . قوله : " وأعربهم أحسابا " بالباء الموحدة في أعربهم أي : أشبه شمائل وأفعالا بالعرب ، ويروى " أعرقهم " بالقاف موضع الباء من العراقة وهي الأصالة في الحسب ، وكذا يقال في النسب . والأحساب بفتح الهمزة جمع حسب وهو الأفعال ، وهو مأخوذ من الحساب يعني إذا حسبوا مناقبهم ، فمن كان يعد لنفسه ولأبيه مناقب أكثر كان أحسب . قوله : " فبايعوا عمر " هذا قول أبي بكر يقول للمهاجرين والأنصار : بايعوا عمر أو بايعوا أبا عبيدة ، إنما قال هذا الكلام حتى لا يتوهموا أن له غرضا في الخلافة ، وأضاف إلى عمر أبا عبيدة حتى لا يظنوا أنه يحابي عمر ، فلما قال أبو بكر هذه المقالة قال عمر رضي الله تعالى عنه ، بل نبايعك أنت فقام وبايعه وبايع الناس . قوله : " فقال قائل " أي : من الأنصار قتلتم سعدا يعني سعد بن عبادة . وقال الكرماني : هو كناية عن الإعراض والخذلان لا حقيقة القتل ، وقال بعضهم : يرد هذا ما وقع في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب ، فقال قائل من الأنصار : اتقوا سعد بن عبادة لا تطؤه فقال عمر : اقتلوه قتله الله انتهى . قلت : لا وجه قط للرد المذكور ؛ لأنه ليس المراد من قول عمر اقتلوه حقيقة القتل ، بل المراد منه أيضا الإعراض عنه وخذلانه كما في الأول ، ومعنى قول عمر قتله الله دعاء عليه لعدم نصرته للحق ومخالفته للجماعة ؛ لأنه تخلف عن البيعة وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بالشام كما ذكرناه عن قريب . قوله : " وقال عبد الله بن سالم " قد ذكرناه ، وهذا تعليق لم يذكره البخاري إلا معلقا غير تمام ، وقد وصله الطبراني في مسند الشاميين . قوله : " شخص بصر النبي صلى الله عليه وسلم " من الشخوص وهو ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه . قوله : " في الرفيق الأعلى " أي : الجنة قاله صاحب التوضيح قلت : الرفيق جماعة الأنبياء عليهم السلام الذين يسكنون أعلى عليين ، وهو اسم جاء على فعيل وهو الجماعة كالصديق ، والخليط يقع على الواحد والجمع ، ومنه قوله تعالى : وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فإن قلت : ما متعلق في الرفيق الأعلى؟ قلت : محذوف يدل عليه السياق نحو أدخلوني فيهم وذلك قاله حين خير بين الموت والحياة فاختار الموت . قوله : " وقص الحديث " أي : قص القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وأراد بالحديث ما قاله عمر من قوله : إنه لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيادي رجال من المنافقين وأرجلهم ، وما قال أبو بكر من قوله : " إنه مات " وتلا الآيتين كما مضى . قوله : " قالت " أي : عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله : " من خطبتهما " أي : من خطبة أبي بكر وعمر ، وكلمة من للتبعيض ، ومن الأخرى في قوله : " ومن خطبة " زائدة . قوله : " لقد خوف عمر " إلى آخره بيان الخطبة التي نفع الله بها . قوله : " وإن فيهم لنفاقا " أي : إن في بعضهم لمنافقين ، وهم الذين عرض بهم عمر رضي الله عنه في قوله الذي سبق عن قريب قيل : وقع في رواية الحميدي في الجمع بين الصحيحين " وإن فيهم لتقى " فقيل : إنه من إصلاحه فإنه ظن أن قوله : " وإن فيهم لنفاقا " تصحيف فصيره لتقى كأنه استعظم أن يكون في المذكورين نفاق . وقال القاضي عياض : لا أدري هو إصلاح منه أو رواية ، فعلى الأول فلا استعظام فقد ظهر من أهل الردة ذلك ولا سيما عند الحادث العظيم الذي أذهل عقول الأكابر ، فكيف بضعفاء الإيمان ، فالصواب ما في النسخ والله أعلم .
|