قال البخاري - رحمه الله - :
337 - ثنا يحيى بن بُكير : ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، قال : سمعت عُميرًا مولى ابن عباس قال : أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو الجهيم : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ، فلقيه رجلٌ فسلم عليه ، فلم يرد [2/39] عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ، حتى أقبل على الجدار ، فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام .


هذا الحديث ذكره مسلم في " صحيحه " تعليقًا عن الليث بهذا الإسناد ، وكذا رواه ابن إسحاق ، عن الأعرج .
ورواه إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، عن الأعرج ، عن ابن الصمة ، وزاد : أنه مسح وجهه وذراعيه ، وأسقط من إسناده " عُميرًا " .
ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد ، عنه ، وقال في حديثه - أيضا ً - : " فمسح بوجهه وذراعيه " .
وأبو صالح تغير بأخرة ، وقد اختلف عليه في لفظه ، ورواية يحيى بن بُكير أصح .
قال الخطابي : حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح .
يعني : لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين
.
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ، وقد تقدم ذكر هذا في " كتاب : الوضوء " في غير موضع منه ، وذكرنا أن عمر كان يتيمم في الحضر لذكر الله عز وجل ، وهو من رواية علي بن زيد ، عن [2/40] يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قَالَ : رأيت عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح به ، ثم قال : هذا للذكر والتسبيح حتى تلقى الماء .
خرّجه ابن جرير الطبري .
وهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء ، وذكرنا فيما تقدم أن من السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك ، وعن أبي العالية أنه تيمم لرد السلام .
وفي "المسند" عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج فيهريق الماء ، فيتيمم بالتراب ، فأقول : يا رسول الله ، الماء منك قريب ، فيقول : " ما يدريني ، لعلي لا أبلغه " .
وذكرنا - أيضًا - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني وصاحبه أبي حامد صرحوا بأن من تيمم في الحضر ، ثم قرأ القرآن وذكر الله كان جائزًا ، استدلالًا بهذا الحديث .
ورد ذلك بعض متأخريهم ، وقال : لم يكن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، إنما كان ظاهرًا حيث لا يوجد الماء ، ولكن كان بقرب المدينة ، فإن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقبل من نحو بئر جمل ، وهي خارج المدينة .
وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي الجهيم .
خرجه أبو داود من حديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم أقبل في [2/41] سكة من سكك المدينة ، فسلم عليه رجل ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد عليه السلام .
خرجه أبو داود وغيره .
ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ ، وإنما هو موقوف عندهم - : كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعقيلي والأثرم .
وتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع . والعبدي ضعيف .
وذكر الأثرم أبي الوليد ، أنه سأل محمد بن ثابت هذا : من الذي يقول النبي أو ابن عمر ؟ فقال : لا أدري .

ففي هذا الحديث : أن تيمم النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض سكك المدينة .
وسيأتي في " باب : الشعر في المسجد " أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم على جدار المسجد ، ثم دخل المسجد .
وقال بعض أصحابنا : يجوز التيمم لرد السلام في الحضر ، إذا خشي فوته ؛ لأن الطهارة لرده مشروعة ندبا لا وجوبا ؛ فإنه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة ؛ لأنه على الفور .
واستدل بعضهم بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوت صلاة الجنازة ، كما هو قول كثير من العلماء ، ومذهب أبي حنيفة ، وأحمد في رواية عنه ، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء : ابن عباس ومن بعده - وذكر الحسن والنخعي وجماعة .
ومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخرى - ؛ فإنهم [2/42] قد يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط ، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية الفوات ، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر ، فإنها ليست بشرط فخف أمرها .
وقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية ، منهم : الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم . وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي .
والعجب أن صاحب " شرح المهذب " حكى ذلك كله في موضعين من " كتابه " ، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي : لا نعرف أحدا وافقهما ، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة .