باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد

أي هذا باب يذكر فيه إذا أصاب ثوب المصلي امرأته وهو في حالة السجود هل تفسد صلاته أم لا ، وظاهر حديث الباب يدل على صحة الصلاة ، وكانت عادة البخاري أن يأتي بمثل هذه العبارة في التراجم إذا كان في الحكم اختلاف ، وهذا الحكم [4/108] ليس فيه اختلاف ، فإن قلت : روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يؤتى بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه . ( قلت ) كان هذا منه على تقدير الصحة للمبالغة في التواضع والخشوع لا على أنه كان لا يرى الصلاة على الخمرة ، وكيف هذا وقد صلى صلى الله عليه وسلم عليها ، وهو أكثر تواضعا وأشد خضوعا ، فإن قلت : روى ابن أبي شيبة عن عروة أنه كان يكره على كل شيء دون الأرض . ( قلت ) لا حجة لأحد في خلاف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ويمكن أن يقال : إن مراده من الكراهة التنزيه ، وكذا يقال في كل من روي عنه مثله .
45 - حدثنا مسدد عن خالد قال : حدثنا سليمان الشيباني عن عبد الله بن شداد عن ميمونة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد ، قالت : وكان يصلي على الخمرة .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
ذكر رجاله : وهم خمسة تقدم ذكرهم ، وخالد هو ابن عبد الله الواسطي الطحان أبو الهيثم ، وسليمان هو أبو إسحاق التابعي ، وعبد الله بن شداد بن الهاد ، وميمونة بنت الحارث أم المؤمنين .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الطهارة عن الحسن بن مدرك ، وفي الصلاة أيضا عن عمرو بن زرارة ، وعن أبي النعمان ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به .
ذكر معناه وإعرابه : قوله : "يصلي" جملة في محل النصب على أنها خبر كان. قوله : "وأنا حذاءه" جملة اسمية وقعت حالا ، أي والحال أنا بإزائه ، ومحاذيه ، والحذاء ، والحذوة ، والحذة كلها بمعنى ، قال الكرماني حذاءه نصب على الظرفية ، ويروى حذاؤه بالرفع . ( قلت ) الصحيح الرفع على الخبرية. قوله : "وأنا حائض" أيضا جملة اسمية وقعت حالا إما من الأحوال المترادفة أو من الأحوال المتداخلة الأولى بالواو والضمير والثانية بالواو فقط. قوله : "وربما" كلمة ربما تحتمل التقليل حقيقة ، والتكثير مجازا. قوله : "على الخمرة" بضم الخاء المعجمة وسكون الميم. سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل ، وترمل بالخيوط قيل سميت خمرة ؛ لأنها تستر وجه المصلي عن الأرض ، ومنه سمي الخمار الذي يستر الرأس ، وقال ابن بطال : الخمرة مصلى صغير ينسج من السعف ، فإن كان كبيرا قدر طول الرجل أو أكثر فإنه يقال له حينئذ حصير ، ولا يقال له خمرة ، وجمعها خمر ، وفي حديث ابن عباس : جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها ، فأحرقت منها مثل موضع درهم ، وهذا ظاهر في إطلاق الخمرة على الكبيرة من نوعها.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام : الأول : فيه جواز مخالطة الحائض . الثاني : فيه طهارة بدن الحائض وثوبها . الثالث : إذا أصاب ثوب المصلي المرأة لا يضر ذلك صلاته ولو كانت المرأة حائضا . الرابع : جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة ، وعن ابن المسيب الصلاة على الخمرة سنة ، وقد فعل ذلك جابر ، وأبو ذر ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وقال الكرماني : وفيه أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المصلي ، وتبعه بعضهم ، فقال : وفيه أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة . ( قلت ) قصدهما بذلك الغمز في مذهب أبي حنيفة في أن محاذاة المرأة للمصلي مفسدة لصلاة الرجل ، ولكن هيهات لما قالا ؛ لأن المحاذاة المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداء وتحريمة ، وهو أيضا يقول : إن المحاذاة المذكورة في هذا الحديث غير مفسدة ، فحينئذ إطلاقهما الحكم فيه غير صحيح ، وهو من ضربان عرق العصبية .