ثم قال البخاري - رحمه الله - :
380 – ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له ، فأكل منه ، ثم قال : " قوموا فلأصلي لكم " . قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ثم انصرف
.
" مليكة " : قال كثير من الناس : هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، قالوا : والضمير في قوله : " أن جدته " إليه يعود ، لا إلى أنس .
وقد روى هذا الحديث عبد الرزاق ، عن مالك ، وقال : يعني : جدة إسحاق .
وهذا تفسير من بعض رواة الحديث .
[2/249] وقد ذكر ابن عبد البر وغيره : أنها هي أم سليم أم أنس بن مالك ؛ فإن أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس ، فولدت له عبد الله .
وقيل : بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة ، وسماها جدته لأنها أخت جدته ، على حد قوله تعالى حاكيا عن بني يعقوب ، أنهم قالوا لأبيهم : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ فإن إسماعيل عمه ، والعم صنو الأب .
وظاهر سياق الحديث : يدل على أن مليكة جدة أنس ، وهذا هو الأظهر . والله أعلم .
وروي صريحا من رواية مقدم بن يحيى ، عن عمه القاسم ، عن عبيد الله بن عمر ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس ، قال : أرسلت جدتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - واسمها : مليكة - فجاءنا ، فحضرت الصلاة - وذكر الحديث .
خرجه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " .
وقد ذكر ابن سعد : أن مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام ، أولاد ملحان .
فتبين بهذا أن مليكة جدة أنس حقيقة ، ولا يمنع من هذا أنه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة ؛ لأن هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك ، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن [2/250] إسحاق والواقدي .
ويعضد صحة هذا : أن أحدا ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم : مليكة ، وقول أنس : " فقمت إلى حصير لنا " يدل على أن هذا البيت كان بيت أم سليم أم أنس .
وقد رواه ابن عيينة ، عن إسحاق بن عبد الله مختصرا ، وصرح فيه بأن العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس ، وهذا يدل على أنها هي التي دعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعامها .
وخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى ، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء ، فصلى عليه وصلوا معه .
وقوله : " قد اسود من طول ما لبس " يدل على أن لبس كل شيء بحسبه ، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه .
واستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه ؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له ، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير .
وزعم ابن عبد البر : أن هذا يؤخذ منه أن من حلف لا يلبس ثوبا ، وليس له نية ولا ليمينه سبب ، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب ؛ لأن ذلك يسمى لباسا .
وهذا الذي قاله فيه نظر ؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه ، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش ، أو أطلق ولم يضف إلى شيء ، كما لو حلف لا يلبس شيئا [2/251] فجلس على حصير ، أو حلف لا يلبس حصيرا فجلس عليه .
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسا بوجه ما ، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه ؛ قال تعالى : هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ وقال : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس ؛ قَالَ تعالى : فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
ولا نعلم خلافا أنه لو حلف لا يجلس على بساط ، فجلس على الأرض لم يحنث ، وقد سماها الله بساطا ، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء ، وقد سمى الله السماء سقفا ، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس .
فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف ، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز . والله أعلم .
وإنما قال أصحابنا : لو حلف ليرين امرأته عارية لابسة أنه يبرأ برؤيتها في الليل عارية ؛ لأن جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنه لم يرد لبسها لثيابها ؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها .
وأما نضح الحصير : فاختلف في معناه :
فقيل : هو تطهير له ، وإزالة لما يتوهم فيه من إصابة النجاسة له مع كثرة استعماله وطول عهده في بيته يتربى فيه أولاد صغار .
وعلى هذا ؛ فقيل : إن النضح هو الغسل ، وقيل : بل هو الرش .
وهذا يستدل به على تطهير ما شك في نجاسته بالنضح ، وقد سبق ذكر ذلك في " كتاب : الوضوء " ، وأن عمر وغيره فعلوه ، وأن من الناس من خالف فيه ، [2/252] وقال : لا يزيده النضح إلا شرًا .
وقيل : بل النضح هو تنظيف له من الوسخ ، وتلين له .
وعلى هذا ؛ فالمراد بالنضح فيه بالرش على ظاهر اللفظ .
وهو الأظهر . والله أعلم .
ويشهد لذلك : ما خرجه مسلم من حديث أبي التياح ، عن أنس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ، قال : فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه ، فيصلي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل .
وخرج - أيضا - من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : ثنا أبو سعيد الخدري ، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه .
وهذه الصلاة كانت تطوعا ؛ يدل على ذَلكَ : ما خرجه مسلم من حديث ثابت ، عن أنس ، قَالَ : دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا ، وما هوَ إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي ، فقالَ : " قوموا ، فلأصلي بكم " ، في غير وقت الصلاة ، فصلى بنا .
وخرجه أبو داود ، وعنده : فصلى بنا ركعتين تطوعا .
وإنما خرجه البخاري في هذا الباب لأجل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على الحصير ، وقد خرجه في موضع آخر من " كتابه " هذا ، ولفظه : فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[2/253] يعني : على الحصير الذي نضح .
وقد تبين برواية أبي التياح ، عن أنس ، أنه كان من جريد النخل ، وقد سمي في بعض الروايات بساطا ؛ لأنه يبسط .
وخرج أبو داود من رواية قتادة ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة أحيانا فيصلي على بساط لها ، وهو حصير ننضحه بالماء .
وقد خرج البخاري - أيضا - في موضع آخر من " كتابه " هذا من حديث أنس بن سيرين ، عن أنس ، أن رجلا من الأنصار قال : يا رسول الله ، إني لا أستطيع الصلاة معك - وكان رجلا ضخما - فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ، فدعاه إلى منزله فبسط له حصيرا ، ونضح طرف الحصير ، فصلى عليه ركعتين .
فدلت هذه الأحاديث على جواز الصَّلاة على الحصير .
وفي حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم التصريح بأنه سجد عليه .
وكذلك روى من حديث أنس .
خرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم على حصير قديم قد تغير من القدم . قال : ونضحه بشيء من ماء ، فسجد عليه .
وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه ، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض .
[2/254] وممن روي عنه أنه صلى على الحصير : ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وجابر ، وأبو ذر .
وقال النخعي : كانوا يصلون على الحصير والبوري .
وقال مجاهد : لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت .
ومذهب مالك : لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض ، ويضع كفيه عليها .
والسجود على الأرض أفضل عنده ، وعند كثير من العلماء .
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض .
وروي عن أبي بكر الصديق ، أنه رأى قوما يصلون على بسط ، فقال لهم : أفضوا إلى الأرض .
وفي إسناده نظر
.
وروي عن ابن عمر ، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض .
ونحوه عن علي بن حسين .
وقال النخعي في السجود على الحصير : الأرض أحب إلي .
وعنه ، أنه قال : لا بأس أن يصلي الحصير ، لكن لا يسجد عليهِ .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : مضت السنة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على الخمرة والبساط ، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض . قال : وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إلي ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا .
وأكثر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت على الأرض ، يدل على ذلك : أنه لما وكف المسجد وكان على عريش فصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، وانصرف [2/255] وأثر الماء والطين على جبهته وأنفه .
وخرج أبو داود من رواية شريح بن هانئ ، عن عائشة ، قالت : لقد مطرنا مرة بالليل ، فطرحنا للنبي صلى الله عليه وسلم نطعا ، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه ، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء من ثيابه قط .
وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقي الأرض بشيء ، إلا مرة ؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء ، فكأني أنظر إلى الماء ينبع من نَقْب كان فيه .
وخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهما ، وعندهم : أن شريحا قَالَ : سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكرت الحديث .
وفي رواية لابن جرير : أن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على شيء قط ، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة ، فاجتر نطعا ، فصلى عليه .
وخرجه الطبراني ، ولفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئا ، إلا أنا مطرنا يوما فوضع تحت قدميه نطعا .
وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح عن أبيه .
وخرج بقي بن مخلد في " مسنده " من رواية يزيد بن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين ، إن أناسا يصلون على هذه الحصر ، ولم أسمع الله يذكرها في القرآن ، إلا في مكان واحد : لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير ؟ قالت : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير .
[2/256] وهذا غريب جدا .
ويزيد بن المقدام ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه
.
وخرج الإمام أحمد : ثنا عثمان بن عمر : ثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على خمرة ، فقال : " يا عائشة ، ارفعي حصيرك ، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس " .
وهذا غريب جدا .
ولكنه اختلف فيه على يونس :
فرواه مفضل بن فضالة ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الخمرة ، ويسجد عليها .
ورواه شبيب بن سعيد ، عن يونس ، عن الزهري - مرسلًا .
ورواه ابن وهب في " مسنده " عن يونس ، عن الزهري ، قال : لم أزل أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على خمرة - وعن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ويسجد عليها .
فرواه بالوجهين جميعًا .
وأما رواية عثمان بن عمر ، عن يونس ، فالظاهر أنها غير محفوظة ، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها .