|
باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود
أي هذا باب في بيان أن السنة للمصلي أن يبدي ضبعيه. قوله : "يبدي" بضم الياء من الإبداء ، وهو الإظهار. قوله : "ضبعيه" تثنية ضبع بفتح الضاد وسكون الباء ، وفي الموعب : الضبع مثال صقر العضد مذكر ، ويقال الإبط ، وقيل : ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه ، وفي المخصص قيل : الضبع هو إذا أدخلت يدك تحت إبطيه من خلفه واحتملته ، والعضد يذكر ويؤنث ، وفي المحكم : الضبع يكون للإنسان وغيره ، وفي الجامع للقزاز والجمهرة لابن دريد : الضبعان رأس المنكبين الواحد ضبع ساكن الباء ، وفي الجامع والصحاح الجمع أضباع ، وقال السفاقسي : الضبع ما تحت الإبط ، ومعنى يبدي ضبعيه لا يلصق عضديه بجنبيه. قوله : "ويجافي" أي يباعد عضديه عن جنبيه ، ويرفعهما عنهما ، ويجافي من الجفاء وهو البعد عن الشيء يقال : جفاه إذا بعد عنه ، وأجفاه إذا أبعده ، ويجافي بمعنى يجفي أي يبعد جنبيه ، وليست المفاعلة هاهنا على بابها كما في قوله تعالى : وَسَارِعُوا أي أسرعوا . فإن قلت : ما المناسبة بين البابين على تقدير ثبوت هذا الباب هاهنا ؟ ( قلت ) من حيث إن المذكور في الباب السابق حكم الطمأنينة في السجود ، وهاهنا إبداء الضبعين ومجافاة الجنبين في السجود ، وكلها من أحكام السجود . 56 - أخبرنا يحيى بن بكير قال : حدثنا بكر بن مضر ، عن جعفر ، عن ابن هرمز ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه .
مطابقة هذا الحديث للترجمة : في قوله : "كان إذا صلى" لأن المراد من قوله : صلى سجد من قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء ، وإذا فرج بين يديه لا بد من إبداء ضبعيه والمجافاة . ذكر رجاله ، وهم خمسة : يحيى بن بكير بضم الباء الموحدة ، وبكر بفتح الباء الموحدة ابن مضر بضم الميم ، وفتح الضاد المعجمة ، وروي غير منصرف للعلمية والعدل مثل عمر ، وقال الكرماني : أما باعتبار العجمة ( قلت ) هذا بعيد ؛ لأنه لفظ عربي خالص من مضر اللبن يمضر مضورا ، وهو الذي يحذي اللسان قبل أن يروب ، وقال أبو عبيد : قال أبو الوليد : اسم مضر مشتق منه ، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وجعفر هو ابن ربيعة بن شرحبيل المصري توفي سنة خمس وثلاثين ومائة ، وابن هرمز بضم الهاء والميم هو عبد الرحمن الأعرج المشهور بالرواية عن أبي هريرة ، وعبد الله بن مالك بن القشب بكسر القاف ، وسكون الشين المعجمة ، وبالباء الموحدة الأزدي ، وبحينة بضم الباء الموحدة ، وفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح النون ، وهو اسم أم عبد الله فهو منسوب إلى الوالدين ، أسلم قديما ، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ناسكا فاضلا يصوم الدهر ، مات زمن معاوية ، وقال النووي : الصواب فيه أن ينون مالك [4/123] ويكتب ابن بالألف ؛ لأن ابن بحينة ليس صفة لمالك بل صفة لعبد الله اسم أبيه مالك ، واسم أمه بحينة فبحينة امرأة مالك ، وأم عبد الله فليس الابن واقعا بين علمين متناسبين ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين مصري ، ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم عن قتيبة عن بكر بن مضر ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة به ، وعن عمرو بن سواد عن ابن وهب ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به . ذكر معناه وما اختلف من ألفاظه : قوله : "فرج بين يديه" معناه فرج بين يديه وجنبيه ، وفرج الله الغم بالتشديد والتخفيف ، وهو من باب ضرب يضرب ، وهو لفظ مشترك بين الفرج العورة والثغر وموضع المخافة ، والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع ، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض ، وأبعد من هيئات الكسالى. قوله : بين يديه على حقيقته يعني قدامه ، وأراد ببعد قدامه من الأرض حتى يبدو بياض إبطيه ، ويؤيد هذا ما في رواية مسلم "إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه" ، وفي رواية الليث "كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه" ، وعنده أيضا من حديث ميمونة "كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت" ، وفي رواية "خوى بيديه" يعني جنح "حتى يرى وضح إبطيه من ورائه" ، وعند الترمذي محسنا ، وعند الحاكم مصححا عن عبد الله بن أقرم فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه صلى الله عليه وسلم إذا سجد ، وعند الحاكم مصححا عن ابن عباس " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخ قد فرج يديه " ، وعند الدارقطني ملزما للبخاري تخريجه عن أحمد بن جزء أنه قال "كنا لنأوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجافي مرفقيه عن جنبيه إذا سجد" ، وعند أحمد وصححه أبو زرعة الرازي ، وابن خزيمة عن جابر " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه " ، وعند ابن خزيمة عن عدي بن عميرة "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سجد يرى بياض إبطيه ، وفي صحيح ابن خزيمة أيضا عن البراء : "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سجد جنح" ، وعند الحاكم على شرطهما عن أبي هريرة "إذا سجد يرى وضح إبطيه" ، وعند مسلم من حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة "إذا سجد جافى بين يديه" ، وعند أبي داود عن أبي مسعود ووصف صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفيه "ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه". قوله : "يجنح" من التجنيح ، وهو أن يرفع ساعديه في السجود عن الأرض فيصيران له مثل جناحي الطير فكذلك التجنح. قوله : "وضح إبطيه" أي بياضهما ، وهو بفتح الواو ، والضاد المعجمة. قوله : "بهمة" بفتح الباء الموحدة قال الجوهري : البهمة من أولاد الضأن خاصة ، وتطلق على الذكر والأنثى ، والسخال أولاد المعزى ، وقال أبو عبيد وغيره : البهمة واحد البهم ، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث ، وجمع البهم البهام بكسر الباء ، وفي رواية الحاكم والطبراني : بهيمة بالصغير ، وقيل : هو الصواب ، وفتح الباء خطأ. قوله : "خوى" بالخاء المعجمة وتشديد الواو المفتوحة أي جافى بطنه عن الأرض ورفعها ، وجافى عضديه عن جنبيه حتى يخوى ما بين ذلك. قوله : "مجخ" بضم الميم ، وكسر الجيم ، وبالخاء المعجمة المشددة من جخ بفتح الجيم ، والخاء المعجمة المشددة إذا فتح عضديه عن جنبيه ، ويروى جخي بالياء ، وهو أشهر ، وهو مثل جخ ، وقيل : كان إذا صلى جخ يعني تحول من مكان إلى مكان. قوله : "لنأوي" أي نرق له ونرثي ، يقال : أويت الرجل أوى له إذا أصابه شيء فرثيت له ، والعفرة بضم العين المهملة ، وسكون الفاء البياض ، وزعم أبو نعيم في دلائل النبوة أن بياض إبطيه صلى الله عليه وسلم من علامات نبوته . ذكر ما يستنبط منه : فيه التفريج بين يديه ، وهو سنة للرجال ، والمرأة والخنثى تضمان ؛ لأن المطلوب في حقهما الستر ، وحكي عن بعضهم أن السنة في حق النساء التربع ، وبعضهم خيرها بين الانفراج والانضمام ، وقال ابن بطال : وشرعت المجافاة في المرفق ليخف على الأرض ، ولا يثقل عليها كما روى أبو عبيدة عن عطاء أنه قال : خففوا على الأرض ، وفي المصنف ، وممن كان يجافي أنس بن مالك ، وأبو سعيد الخدري ، وقاله الحسن البصري ، وإبراهيم ، وعلي بن أبي طالب قال ، وممن رخص أن يعتمد المصلي بمرفقيه أبو ذر ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وابن سيرين ، وقيس بن سعد ، قال : وحدثنا ابن عيينة عن سمي عن النعمان [4/124] ابن أبي عياش قال "شكونا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإدغام والاعتماد في الصلاة فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه أو فخذيه" ، وعند الترمذي عن أبي هريرة "أنه اشتكى أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مشقة السجود عليهم فقال استعينوا بالركب" ، وروى أبو داود أيضا ، ولفظه "اشتكى أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النبي عليه الصلاة والسلام مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا ، فقال استعينوا بالركب" ، وفي المصنف : حدثنا يزيد بن هارون عن ابن عون قال : "قلت لمحمد الرجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه . قال : ما أعلم به بأسا" حدثنا عاصم عن ابن جريج عن نافع قال : كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد حدثنا ابن نمير حدثنا الأعمش عن حبيب قال : "سأل رجل ابن عمر أضع مرفقي على فخذي إذا سجدت؟ فقال اسجد كيف تيسر عليك" حدثنا وكيع عن أبيه عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن قيس بن السكن قال : كل ذلك قد كانوا يفعلون ويضمون ويتجافون كان بعضهم يضم ، وبعضهم يتجافى ، وفي الأم للشافعي : يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه ، وتضم المرأة بعضها إلى بعض ، وقال القرطبي : وحكم الفرائض والنوافل في هذا سواء. ( وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة نحوه ) .
هذا التعليق أخرجه مسلم في صحيحه ، فقال : حدثنا عمرو بن سواد عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، والليث بن سعد كلاهما عن جعفر بن ربيعة ، وفي رواية عمرو بن الحارث إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه ، وفي رواية الليث "كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه" ، وقال الكرماني : وقال الليث عطف على بكر أي حدثنا يحيى قال الليث حدثني جعفر بلفظ التحديث ، وما روى بكر عنه بطريق العنعنة.
|