قال البخاري - رحمه الله - :
391 - حدثنا عمرو بن عباس : ثنا ابن مهدي : ثنا منصور بن سعد ، عن [2/283] ميمون بن سياه ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا تخفروا الله في ذمته .
392 - وحدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله عز وجل .
393 - وقال علي بن عبد الله : ثنا خالد بن الحارث ، ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟ فقال : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم .
وقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .


هذا الحديث قد خرجه البخاري من طريقين :
أحدهما : من رواية منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس مرفوعا .
وميمون بن سياه ، بصري اختلف فيه ، فضعفه ابن معين ، ووثقه أبو حاتم الرازي .
[2/284] والثاني : من رواية حميد ، عن أنس - تعليقا - من ثلاثة أوجه ، عنه . وفي بعض النسخ أسنده .
من أحدها : عن نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن حميد ، عن أنس ، ورفعه .
والثاني : علقه عن ابن المديني ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، أن ميمون بن سياه سأل أنسا - فذكره ، ولم يرفعه ، جعله من قول أنس .
والثالث : علقه ، عن ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرح فيه بسماع حميد له من أنس ، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ومقصود البخاري بهذا : تصحيح رواية حميد ، عن أنس المرفوعة
.
وقد نازعه في ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما سمعه حميد من ميمون بن سياه ، عن أنس . قال : ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : " ثنا حميد : ثنا أنس " ؛ فإن عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه ؛ لا يطوونه طي أهل العراق .
يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلا بالسماع .
وقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنهم يصنعون ذلك كثيرا .
ثم استدل الإسماعيلي على ما قاله بما خرجه من طريق عبيد الله بن معاذ : ثنا أبي : ثنا حميد ، عن ميمون بن سياه ، قال : سألت أنسا : ما يحرم دم المسلم وماله ؟ قال : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - الحديث .
[2/285] قال : وما ذكره عن علي ابن المديني عن خالد بن الحارث فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ ؛ لأن ميمون هوَ الذي سأل ، وحميد منه سمع . والله أعلم . انتهى ما ذكره .
ورواية معاذ بن معاذ ، عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفة .
وقد ذكر الدارقطني في " العلل " أنها هي الصواب
، بعد أن ذكر أن ابن المبارك ويحيى بن أيوب ومحمد بن عيسى بن سميع رووه عن حميد ، عن أنس مرفوعا .
قال : وذكر هذا الحديث لعلي ابن المديني ، عن ابن المبارك . فقال : أخاف أن يكون هذا وهما ، لعله : حميد ، عن الحسن - مرسلا .
قال الدارقطني : وليس كذلك ؛ لأن معاذ بن معاذ من الأثبات . وقد رواه كما ذكرنا - يعني : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفا .

وقد خرجه أبو داود في " سننه " من طريق يحيى بن أيوب كما أشار إليه البخاري .
وخرجه أبو داود - أيضا - والترمذي والنسائي من طريق ابن المبارك وحسنه الترمذي وصححه وغربه ، وذكر متابعة يحيى بن أيوب له .
وخرجه النسائي - أيضا - من طريق محمد بن عيسى بن سميع : ثنا حميد عن أنس ورفعه .
ومن طريق محمد بن عبد الله الأنصاري : ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنسا ، فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم المسلم وماله - فذكره موقوفا ، ولم يرفعه .
[2/286] وهذه مثل رواية خالد بن الحارث التي ذكرها البخاري ، عن ابن المديني ، عنه ، وقد جعلا ميمون بن سياه سائلا لأنس ، ولم يذكرا أن حميدا رواه عن ميمون ، ولعل قولهما أشبه .
وتابعهما معاذ بن معاذ على وقفه ، إلا أنه جعله : " عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس " ، وهو الصحيح عند الإسماعيلي والدارقطني كما سبق .
وأما رفعه مع وصله ، فقد حكى الدارقطني عن ابن المديني أنه أنكره .
وكذا نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، أنه قال : لا يسنده إلا ثلاث أنفس : ابن المبارك ويحيى بن أيوب وابن سميع .
يشير إلى أن غيرهم يقفه ولا يرفعه ، كذا قال .
وقد رواه أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس - مرفوعا .
خرج حديثه الطبراني وابن جرير الطبري .
وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى المنذر بن ساوَى : " أما بعد ؛ فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله والرسول " .
خرجه أبو عبيد .
وهو مرسل .
وقد دل هذا الحديث على أن الدم لا يعصم بمجرد الشهادتين ، حتى يقوم بحقوقهما ، وآكد حقوقهما الصلاة ؛ فلذلك خصها بالذكر . وفي حديث آخر أضاف إلى الصلاة الزكاة .
وذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين [2/287] المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة ، وإلا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم ، ولو شهد بشهادة التوحيد .
وفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة ؛ فإنه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها ، كالطهارة وغيرها .
وذكره أكل ذبيحة المسلمين ، فيه إشارة إلى أنه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة ، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين ، وموافقتهم في ذبيحتهم ، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن أحيانا من يدخل في الإسلام ، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين ، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله ؛ ليتحقق بذلك إسلامه .
فروي أنه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب ، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب ، وقال لهم : " أن إسلامكم لا يتم إلا بأكله " .
فلو أسلم يهودي ، وأقام ممتنعا من أكل ذبائح المسلمين ، كان ذلك دليلا على عدم دخول الإسلام في قلبه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا يصير بذلك مسلما .
ويشهد لذلك : قول عمر فيمن أسلم من أهل الأمصار وقدر على الحج ولم يحج ، أنه هم بضرب الجزية عليهم ، وقال : ما هم بمسلمين .
[2/288] وحكي عن الحسن بن صالح ، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب ، وأقام بها مع قدرته على الخروج ، فهو كالمشرك في دمه وماله ، وأنه إن لحق المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مرتدا بذلك .
وقوله : " فذلك المسلم ، له ذمة الله ورسوله " . الذمة : العهد ، وهو إشارة إلى ما عهده الله ورسوله إلى المسلمين بالكف عن دم المسلم وماله .
وقوله : " فلا تخفروا الله في ذمته " ، أي : لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله ، فلا تفوا له بالضمان ، بل أوفوا له بالعهد .
وهو مأخوذ من قولهم : أخفرت فلانا ، إذا غدرت به ، ويقولون : خفرته ، إذا حميته .