67 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة .

مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول وهو قوله " وقد أمر أن يستقبل الكعبة " ، ومن الجزء الثاني أيضا ، وذلك لأنهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه ، والجاهل كالناسي حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم . ورجاله أئمة مشهورون ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك والعنعنة في موضعين ، وفيه القول .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما ، وفي خبر الواحد عن إسماعيل بن أبي أويس . وأخرجه مسلم في الصلاة والنسائي فيه وفي التفسير ، جميعا عن قتيبة ؛ أربعتهم عنه به .
ذكر معناه : قوله ( بينا ) أصله بين ، فأشبعت الفتحة فصارت ألفا ، يقال : بينا وبينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل مبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وقد جاءا كثيرا ؛ تقول : بينا زيد جالس دخل عليه عمرو ، وإذ دخل عليه عمرو ، وإذا دخل عليه . وبينا هاهنا أضيف إلى المبتدأ والخبر ، وجوابه قوله " إذ جاءهم آت " ، وفي " قباء " ست لغات : المد ، والقصر ، والتذكير ، والتأنيث ، والصرف ، والمنع . وأفصحها المد ؛ وهو موضع معروف ظاهر المدينة ، والمعنى هنا : بينا الناس في مسجد قباء وهم في صلاة الصبح ، واللام في " الناس " للعهد الذهني ؛ لأن المراد أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة .
قوله ( آت ) فاعل ، من أتى يأتي فأعل إعلال قاض ، وهذا الآتي هو عباد - بالتشديد - بن بشر ؛ بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، وفي حديث البراء المتقدم في صلاة العصر ، ولا منافاة بين الخبرين ، وقد ذكرنا وجهه في حديث البراء وهو أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هو خارجها .
قوله ( وقد أنزل عليه الليلة قرآن ) ، أطلق " الليلة " على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا ، وأراد بالقرآن قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآيات . وفيه أيضا مجاز ؛ حيث ذكر الكل وأراد الجزء ، وفي بعض النسخ " القرآن " بالألف واللام التي هي للعهد .
قوله ( وقد أمر ) على صيغة المجهول ؛ أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله ( أن يستقبل الكعبة ) ؛ أي بأن يستقبل ، وأن مصدرية ، والمعنى : باستقبال الكعبة .
قوله ( فاستقبلوها ) على صيغة الجمع من الماضي ، والضمير فيه يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ويحتمل أن يكون الضمير لأهل قباء ؛ يعني حين سمعوا من الآتي ما بلغهم استقبلوا الكعبة ، وفي رواية الأصيلي : " فاستقبلوها " ؛ بكسر الباء على صيغة الأمر للجمع ، والأمر لأهل قباء من الآتي .
قوله ( وكانت وجوههم ) [4/148] هو من كلام ابن عمر لا كلام الرجل المخبر بتغير القبلة ، قاله الكرماني . قلت : لا مانع أن يكون من كلام المخبر ، فعلى هذا تكون الواو للحال فتكون جملة حالية على رواية الأكثرين وهو أن يكون صيغة الجمع من الماضي ، وعلى رواية الأصيلي تكون الواو للعطف ، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية ، والضمير في " وجوههم " يحتمل الوجهين المذكورين . وقال بعضهم : عوده إلى أهل قباء أظهر ، ويرجح رواية الكسر أنه عند المصنف في التفسير : " وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، ألا فاستقبلوها " ، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله . قلت : إلا في مثل هذا الموضع تكون للتنبيه لتدل على تحقق ما بعدها ، ولا يسمى حرف استفتاح إلا في مكان يهمل معناها ، وفي ترجيحه الكسر بهذا نظر ؛ لأنه يعكر عليه قوله " فاستداروا " إذا جعل " وكانت وجوههم " من كلام ابن عمر .
ذكر ما يستنبط منه : قد مر أكثره في حديث البراء بن عازب ، وفيه ما يؤمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يلزم أمته ، وفيه أن أفعاله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن ، وفيه قبول خبر الواحد ، وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها ، وفيه استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته ، وفيه أن من تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له ؛ هكذا استنبطه الطحاوي منه .