سورة الحج

أي : هذا في تفسير بعض سورة الحج ، وذكر ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أنهما قالا : نزلت سورة الحج بالمدينة . وقال مقاتل : بعضها مكي أيضا . وعن قتادة أنها مكية ، وعنه مدنية غير أربع آيات . وعن عطاء : إلا ثلاث آيات منها ، قوله : هَذَانِ خَصْمَانِ وقال هبة بن سلامة : هي من أعاجيب سور القرآن ، لأن فيها مكيا ومدنيا ، وسفريا وحضريا ، وحربيا وسلميا ، وليليا ونهاريا ، وناسخا ومنسوخا ، وهي خمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفا ، وألف ومائتان [19/66] وإحدى وتسعون كلمة ، وثمان وتسعون آية .
بسم الله الرحمن الرحيم

ثبتت البسملة للكل .
وقال ابن عيينة : المخبتين المطمئنين .

أي : قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أي : المطمئنين ، كذا ذكره ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عن مجاهد . وقيل : المطمئنين بأمر الله . وقيل : المطيعين . وقيل : المتواضعين . وقيل : الخاشعين . وهو من الإخبات ، والخبت بفتح أوله : المطمئن من الأرض .
وقال ابن عباس في إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته .

أي : قال ابن عباس في قوله عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآية ، وهذا التعليق رواه أبو محمد الرازي عن أبيه ، حدثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عنه ، وقد تكلم المفسرون في هذه الآية أشياء كثيرة ، والأحسن منها ما قاله أبو الحسن بن علي الطبري : ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء ، وإنما هو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال ، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان . وأحسن من هذا أيضا ما قاله بعضهم : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته ، بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها . قلت : تلك الكلمات هي ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم ، فلما بلغ : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فنزلت هذه الآية . وروي هذا أيضا من طرق كثيرة ، وقال ابن العربي : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ، وقال عياض : هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده ، وكذا من تكلم بهذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحبه ، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة . وقال بعضهم : هذا الذي ذكره ابن العربي وعياض لا يمشي على القواعد ، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا انتهى .
قلت : الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قامت الحجة واجتمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، وحاشاه عن أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك لا عمدا ولا سهوا ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله عز وجل لا عمدا ولا سهوا ، والنظر والعرف أيضا يحيلان ذلك ، ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم ، ولم ينقل ذلك ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين .
قوله : " مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ " الرسول هو الذي يأتيه جبريل عليه الصلاة والسلام بالوحي عيانا وشفاها ، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهاما أو كلاما ، فكل رسول نبي بغير عكس . قوله : " إِذَا تَمَنَّى " أي : إذا أحب واشتهى وحدثت به نفسه مما لم يؤمر به . قوله : " فِي أُمْنِيَّتِهِ " أي : مراده . وقال ابن العربي : أي في قراءته ، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه ، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله .
ويقال : أمنيته قراءته ( إلا أماني يقرؤون ولا يكتبون )

هو قول الفراء ، فإنه قال معنى قوله : " إِلا إِذَا تَمَنَّى " : إلا إذا تلا قال الشاعر :
تمنى كتاب الله أول ليلة
تمني داود الزبور على رسل
[19/67] قوله : " إلا أماني " إشارة إلى قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ أورده استشهادا بأن تمنى بمعنى تلا ، لأن معنى قوله " إلا أماني " : إلا ما يقرءون .
وقال مجاهد " مشيد " بالقصة

أي : قال مجاهد في قوله تعالى : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ إن معناه قصر مشيد ، يعني : معمول بالشيد ، بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة ، وهو الجص بكسر الجيم وفتحها ، وهو الكلس . وفي المغرب : الجص تعريب كج . وقال الجوهري : تقول شاده يشيده شيدا جصصه . وقال قتادة والضحاك وربيع : قصر مشيد ، أي : طويل . وعن الضحاك : إن هذه البئر إنما كانت بحضرموت ، في بلدة يقال لها حاضورا ، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح عليه السلام لما نجوا من العذاب أتوا حضرموت ومعهم صالح عليه الصلاة والسلام ، فلما حضروه مات صالح فسميت حضرموت ، لأن صالحا لما مات بنوا حاضورا وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا يقال له جلهس بن جلاس بن سويد ، وجعلوا وزيره سخاريب بن سواده ، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى نموا وكثروا ثم عبدوا الأصنام وكفروا بالله تعالى ، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان ، كان جمالا فيهم ، فقتلوه في السوق ، فأهلكهم الله تعالى وعطلت بئرهم وخربت قصورهم .
وقال غيره : يسطون يفرطون ، من السطوة ، ويقال : يسطون يبطشون .

أي : قال غير مجاهد في قوله عز وجل : يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ إن معنى قوله " يسطون " يفرطون ، وكذا فسره أبو عبيدة ، من فرط يفرط فرطا ، من باب نصر ينصر ، أي : قصر وضيع حتى مات ، وفرط عليه إذا عجل وعدا ، وفرط إذا سبق . قوله : " من السطوة " أي : اشتقاقه من السطوة . يقال : سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف والشدة ، أي : يكادون يقعون بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ ويبسطون إليهم أيديهم بالسوء . قوله : " ويقال " هو قول الفراء ، فإنه كان مشركو قريش إذا سمعوا المسلم يتلو القرآن كادوا يبطشون به ، وكذا روى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : " يسطون " فقال : يبطشون .
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ألهموا إلى القرآن .

هذا في وصف أهل الجنة ، وفسر الطيب من القول بقوله : " ألهموا إلى القرآن " هكذا فسره السدي . قوله : " وعن ابن عباس يريد لا إله إلا الله والحمد لله " ، وزاد ابن زيد " والله أكبر " . قوله : " ألهموا " في رواية النسفي " إلى القرآن " ، ولم يثبت إلا في رواية أبي ذر ، ولا بد منه ، لأن ذكر شيء من القرآن من غير تفسيره لا طائل تحته .
قال ابن عباس : بسبب ، بحبل إلى سقف البيت .

أي : قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله عز وجل : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ وفسره بقوله : " بحبل إلى سقف البيت " هذا التعليق رواه ابن المنذر عن عبد الله بن الوليد عن سفيان عن التميمي عن ابن عباس بلفظ : فليمدد بحبل إلى سماء بيته فليختنق به . ورواه عبد بن حميد من طريق أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس بلفظ : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ، فليمدد بسبب إلى سماء بيته فليختنق به .
تذهل تشغل

أشار به إلى قوله تعالى : ( يوم تذهل كل مرضعة ) وفسر تذهل بقوله " تشتغل " ، قال الثعلبي : كذا فسره ابن عباس ، وعن الضحاك : تسلوا ، يقال : ذهلت عن كذا ، أي : تركته .
262 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم ، يقول : لبيك ربنا وسعديك ، فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ، قال : يا رب [19/68] وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين . فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة ، فكبرنا .

مطابقته للترجمة وهي في سورة الحج ظاهرة ، وأبو صالح ذكوان السمان . والحديث مضى في أحاديث الأنبياء في باب قصة يأجوج ومأجوج ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " ربنا " أي : يا ربنا . قوله : " فينادي " على صيغة المعلوم . قوله : " بعثا " ، بفتح الباء الموحدة ، أي : مبعوثا ، أي : أخرج من الناس الذين هم أهل النار وابعثهم إليها . قوله : " أراه " بضم الهمزة . قوله : " أو كالشعرة " كلمة " أو " هنا يحتمل التنويع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والشك من الراوي . " فكبرنا " أي : فعظمنا ذلك ، أو قلنا الله أكبر سرورا بهذه البشارة . قوله : " شطر أهل الجنة " أي : نصفها .