باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب منه

أي : هذا باب في بيان حكم من دعا . . . إلى آخره ، وقوله " في المسجد " يتعلق بقوله " دعا " لا بقوله " لطعام " ، فإن قلت : صلة دعا بكلمة إلى نحو : والله يدعو إلى دار السلام ، وبالباء في نحو : دعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، واللام للاختصاص ، فما وجه هذا ؟ قلت : تختلف صلات الفعل بحسب اختلاف المعاني ، فإذا قصد بيان الانتهاء جيء بكلمة إلى ، وإذا قصد معنى الطلب جيء بالباء ، وإذا قصد معنى الاختصاص جيء باللام ، وهاهنا قصد معنى الاختصاص .
قوله ( ومن أجاب منه ) ، في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني : ومن أجاب إليه . فإن قلت : ما الفرق بين الروايتين ؟ قلت : كلمة " من " في رواية " منه " للابتداء والضمير يعود على المسجد ، وفي رواية " إلى " يعود الضمير إلى الطعام . فإن قلت : ما قصد البخاري من هذا التبويب ؟ قلت : الإشارة إلى أن هذا من الأمور المباحة وليس من اللغو الذي يمنع في المساجد .
فإن قلت : ما وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله ؟ قلت : من قوله " باب حك البزاق باليد من المسجد " إلى قوله " باب سترة الإمام " خمسة وخمسون بابا كلها فيما يتعلق بأحكام المساجد ، فلا يحتاج إلى ذكر وجه المناسبة بينها على الخصوص .
83 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن إسحاق بن عبد الله ، سمع أنسا قال : وجدت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد معه ناس ، فقمت ، فقال لي : أرسلك أبو طلحة ؟ قلت : نعم . فقال : لطعام ؟ قلت : نعم . فقال لمن معه : قوموا . فانطلق ، وانطلقت بين أيديهم .

مطابقة هذا الحديث للترجمة كلها ظاهرة ، أما الشق الأول فلأنا قد ذكرنا أن " في المسجد " يتعلق بقوله " دعا " لا بقوله " لطعام " ، فحصل الدعاء إلى الطعام في المسجد ، وأما الشق الثاني فهو إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله لمن حوله " قوموا " ، فبهذا التقرير يندفع اعتراض من يقول إن المطابقة للترجمة في الشق الثاني فقط ، فافهم .
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم ، وإسحاق بن عبد الله ابن أخي أنس من جهة الأم ، وأخرجه البخاري أيضا عن إسماعيل بن أبي أويس وفرقهما ، وأخرجه أيضا في علامات النبوة مطولا وفي الأطعمة والإيمان والنذور ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وفي الأطعمة ، وأبو داود فيه عن القعنبي والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى وفي المناقب ، والنسائي فيه عن قتيبة ؛ كلهم عن مالك به ، وأخرجه في الوليمة أيضا .
ذكر معناه : قوله ( وجدت ) ؛ أي أصبت ، ولهذا اكتفى بمفعول واحد .
قوله ( في المسجد ) حال من النبي صلى الله عليه وسلم .
[4/163] وقوله ( ومعه ناس ) جملة اسمية وقعت حالا .
قوله ( أرسلك ) ، ويروى " أأرسلك " بهمزة الاستفهام .
قوله ( أبو طلحة ) هو زيد بن سهل الأنصاري ، أحد نقباء العقبة ، شهد المشاهد كلها ، روي له اثنان وتسعون حديثا منها للبخاري ثلاثة ، وهو زوج أم أنس ، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين على الأصح .
قوله ( قال : لطعام ؟ ) ، ويروى : " للطعام ؟ " .
قوله ( قال لمن حوله ) منصوب بالظرفية ؛ أي لمن كان حوله .
قوله ( فانطلق ) ؛ أي إلى بيت أبي طلحة ، وفي بعض النسخ : فانطلقوا ؛ أي انطلق النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ومن كان معه .
ذكر ما يستنبط منه : فيه جواز الحجابة وهو أن يتقدم بعض الخدام بين يدي الإمام ونحوه ، وفيه الدعاء إلى الطعام وإن لم يكن وليمة ، وفيه أن الدعاء إلى ذلك من المسجد وغيره سواء لأن ذلك من أعمال البر وليس ثواب الجلوس في المسجد بأقل من ثواب الإطعام ، وفيه دعاء السلطان إلى الطعام القليل ، وفيه أن الرجل الكبير إذا دعي إلى طعام وعلم أن صاحبه لا يكره أن يجلب معه غيره وأن الطعام يكفيهم أنه لا بأس بأن يحمل معه من حضره ، وإنما حملهم النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - إلى طعام أبي طلحة وهو قليل لعلمه أنه يكفي جميعهم ببركته وما خصه الله تعالى به من الكرامة والفضيلة وهو من علامات النبوة .