سورة ن والقلم

أي هذا في تفسير بعض سورة نون والقلم ، ولم يقع لفظ سورة إلا في رواية أبي ذر ، وقال مقاتل : مكية كلها ، وذكر ابن النقيب عن ابن عباس من أولها إلى قوله : سَنَسِمُهُ مكي ، ومن بعد ذلك إلى قوله : لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ مدني ، وقال السخاوي : نزلت بعد سورة المزمل وقبل المدثر ، وهي ألف ومائتان وستة وخمسون حرف ، وثلاثمائة كلمة ، واثنتان وخمسون آية .
واختلف المفسرون في معناه ؛ فعن مجاهد ومقاتل والسدي وآخرين هو الحوت الذي يحمل الأرض ، وهي رواية عن ابن عباس ، واختلف في اسمه ؛ فعن الكلبي ومقاتل بهموت ، وعن الواقدي : ليوثا ، وعن علي : بلهوت . وقيل : هي حروف الرحمن ، وهي رواية عن ابن عباس قال : "الر" و " حم " و" نون " حروف الرحمن مقطعة ، وعن الحسن وقتادة والضحاك النون الدواء ، وهي رواية عن ابن عباس أيضا ، وعن معاوية بن قرة : لوح من نور رفعه الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن ابن كيسان هو قسم أقسم الله به ، وعن عطاء : افتتاح اسمه نور وناصر ونصير ، وعن جعفر : نون نهر في الجنة .
بسم الله الرحمن الرحيم

لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر .
وقال قتادة : حَرْدٍ جد في أنفسهم

أشار به قتادة إلى قوله تعالى : وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ وفسر قوله : حَرْدٍ بقوله : جد بكسر الجيم وتشديد الدال ، وهو الاجتهاد والمبالغة في الأمر ، وقال ابن التين : وضبط في بعض الأصول بفتح الجيم ، رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة ، وقال الثعلبي : على قدرة قادرين على أنفسهم ، وعن النخعي ومجاهد وعكرمة : على أمر مجمع قد أسسوه بينهم ، وعن سفيان : على حنق وغضب ، وعن أبي عبيدة : على منع .
وقال ابن عباس : لَضَالُّونَ أضللنا مكان جنتنا

أي قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ؛ أي أضللنا مكان جنتنا ، رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه ، والضمير في قوله : فَلَمَّا رَأَوْهَا يرجع إلى الجنة في قوله : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ يعني امتحنا واختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع كما بلونا ، أي كما ابتلينا أصحاب الجنة ، قال ابن عباس : بستان باليمن ، يقال له : الضروان ، دون صنعاء بفرسخين ، وكانوا حلفوا أن لا يصرمن نخلها إلا في الظلمة قبل خروج الناس من المساكن إليها ، فأرسل الله عليها نارا من السماء فأحرقتها وهم نائمون ، فلما قاموا وأتوا إليها ورأوها قالوا : إنا لضالون ، وليست هذه جنتنا . قوله : " أضللنا " قال بعضهم : زعم بعض الشراح أن الصواب في هذا أن يقال : ضللنا بغير ألف ؛ تقول : ضللت الشيء إذا جعلته في مكان ، ثم لم تدر أين هو ، وأضللت الشيء إذا ضيعته ، ثم قال : والذي وقع في الرواية صحيح المعنى ، أي عملنا عمل من ضيع ، ويحتمل أن يكون بضم أول أضللنا . انتهى . قلت : أراد ببعض الشراح الحافظ الدمياطي ؛ فإنه قال هكذا ، والذي قاله هو الصواب ؛ لأن اللغة تساعده ، ولكن الذي اختاره هذا القائل من الوجهين اللذين ذكرهما بعيد جدا ؛ أما الأول فليس [19/256] بمطابق لقول أهل الجنة ؛ فإن عملهم لم يكن إلا رواحهم إلى جنتهم فقط ، وليس فيه عمل عمل من ضيع ، وأما الثاني فبالاحتمال الذي لا يقطع ، ولكن يقال في تصويب الذي وقع به الرواية : أضللنا أنفسنا عن مكان جنتنا يعني هذه ليست بجنتنا ، بل تهنا في طريقها .
وقال غيره : " كالصريم " كالصبح انصرم من الليل ، والليل انصرم من النهار ، وهو أيضا كل رملة انصرمت من معظم الرمل ، والصريم أيضا المصروم ، مثل : قتيل ومقتول

أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى : فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي فأصبحت الجنة المذكورة كالصريم ، وفسره بقوله : " كالصبح انصرم " ، أي انقطع من الليل إلى آخره ظاهر .
مكظوم وكظيم : مغموم ، " تدهن فيدهنون " : ترخص فيرخصون

هذا كله للنسفي ، ولم يقع للباقين ، وأشار بقوله : تدهن إلى قوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وفسره بقوله : " ترخص فيرخصون " ، وكذا روي عن ابن عباس ، وعن عطية والضحاك : لو تكفر فيكفرون ، وعن الكلبي : لو تلين لهم فيلينون لك ، وعن الحسن : لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم ، وعن الحسن : لو تقاربهم فيقاربونك ، وأشار بقوله : " مكظوم " إلى قوله تعالى : وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ وفسره بقوله : مغموم ، وأشار أيضا بأن " مكظوم وكظيم " سواء في المعنى .