قال البخاري - رحمه الله - :
509 – حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم .
[2/668] وحدثنا آدم : ثنا سليمان بن المغيرة : ثنا حميد بن هلال العدوي : ثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان


سليمان بن المغيرة ، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد ، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس ؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه .
أما في إسناده ، ففيه : التصريح بسماع حميد له من أبي صالح ، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد .
وأما في المتن ، فإن فيه : ذكر الصلاة إلى السترة ، وليس هو في حديث يونس .
وكذلك رواه سليم بن حيان ، عن حميد ، ولم يقل - أيضا - " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس " .
وحينئذ ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة ، وحمل حديث يونس عليه ، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة .
وقد نبه على ذلك الإسماعيلي .
[2/669] وكذلك روى مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان " .
خرجه مسلم .
وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك .
وروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار ، عنه .
وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة ، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال . والله أعلم .
وتابعه على ذكرها : ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه .
وقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه .
وليس ابن عجلان بذاك الحافظ .
وتابعه - أيضا - : داود بن قيس ، عَن زيد بْن أسلم .
خرج حديثه عبد الرزاق ، عنه ، بسياق مطول ، وفيه : أن أبا سعيد دفع الفتى حتى صرعه ، وأنه لما سأله مروان عن ذلك قال : ما فعلت ، إنما دفعت شيطانا ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا أراد أن يمر بين يديك [2/670] وبين سترتك أحد فاردده ، فإن أبى فاردده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان " .
وخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة .
وخرج من حديث زهير ، عن زيد بن أسلم الحديث بنحو رواية مالك ، من غير ذكر سترة .
وخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة : عن شيبان بن فروخ ، عنه ، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري .
منها : أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين ، وقال في الثانية : فمثل قائما ، فنال من أبي سعيد ، ثم زاحم الناس ، فخرج فدخل على مروان . وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فليدفع في نحره " .
وفيما فعله أبو سعيد : دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته ، وإن ازدحم الناس ، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك .
ويدل عليه - أيضا - : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر " .
فإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي ، وإن لم يجد طريقا غيره .
وقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا : لا يكره المرور حينئذ ، ولا يمنع منه .
قال أصحابنا : لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه ، أو يخط خطا إذا لم يجد .
[2/671] وكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا ، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي ، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع " . أمر بدفع المار ، ونهي عن تمكينه من المرور ، وظاهره الوجوب .
وقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه ، وأنه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب ، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم .
وروي عن سفيان الثوري ، أنه كان أحيانا لا يمنع المار بين يديه إذا كان فقيرا ، ويمنعه إذا كان جبارا .
وروى أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده .
ولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى ، فإنه لا يرده من حيث جاء ، فإنه يصير مرورا ثانيا .
وهذا قول الجمهور ، وخالف فيه بعض السلف ، منهم : ابن مسعود وسالم .
وفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع ، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلي قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته .
وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الآتي - إن شاء الله .
وفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في " الصحيحين " : " إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يمر بين يديه ، فليدفعه " : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه ، [2/672] وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا .
وأما أكثر أصحابنا فعندهم : أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة ، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار .
واستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط ، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، فلا يقتضي تخصيصه ، إلا أن يكون له مفهوم ، فيبني على أنه : هل يخص العموم بالمفهوم ، أم لا ؟
وأما الشافعية ، فقالوا : يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته ، على الصحيح عندهم ، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه ، ولم يحرم .
وهل يدفعه المصلي ؟ لهم فيه وجهان : أصحهما عندهم : لا يدفعه ؛ لمفهوم قوله : " إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة " .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " فليدفعه " ، وفي رواية مسلم : " فليدفع في نحره " ، وفي روايته : أن أبا سعيد دفع في نحر المار بين يديه ، وفي رواية البخاري : أنه دفع في صدره .
وقد كان ابن عمر وغيره من الصحابة يدفعون المار بين أيديهم .
ونقل أبو طالب ، عن أحمد ، وذكر حديث أبي سعيد هذا ، فقال أحمد : يمنعه ، فإن أبى عليه فهو في صلاته يدرأ عن نفسه ما استطاع .
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا [2/673] صلى فمر بين يديه أحد دفعه دفعا رفيقا ، فإن أبى إلا أن يمر دفعه دفعا شديدا .
وقال أبو الحارث : أخبرني بعض أصحابنا ، أنه رأى أحمد يوم الجمعة يصلي في مسجد الجامع ، فمر بين يديه رجل فرده ، فأبى أن يرجع ، فدفعه حتى رمى به .
وقال في رواية حنبل : إذا أراد أن يمر بين يديك رجل فامنعه ما قدرت .
وقد دل فعل أبي سعيد على أن المار إذا أبى أن يرجع بالدفع الأول فإنه يدفع في المرة الثانية أشد من الدفع الأول ، وكذلك فعله الإمام أحمد .
وأما قوله : " فإن أبى فليقاتله " ، إذن في قتاله في المرة الثانية .
وفي رواية ابن عمر : أن القتال في الرابعة ، لكن في إسنادها ضعف كما سبق .
وقال أصحاب الشافعي : يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل ، ويزيد بحسب الحاجة ، وإن أدى إلى قتله فمات منه فلا ضمان فيه كالصائل .
وحكى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين :
إحداهما : يقاتله ، وذكروا نصوص أحمد السابقة .
والثانية : لا يفعل ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي : يدرأ ما استطاع ، وأكره القتال في الصلاة .
ذكره عنه الجوزجاني في " كتابه المترجم " ، وخالف في ذلك ، وقال : بل يقاتله ؛ للأمر بقتاله ؛ فإنه شيطان لا حرمة له .
وقال ابن عبد البر في " التمهيد " في قوله : " فليقاتله " : المراد بالمقاتلة : [2/674] المدافعة ، وأظنه كلاما خرج على التغليظ ، ولكل شيء حد . قال : وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته .
وحكى عن أشهب ، أنه قال : يرده بإشارة ، ولا يمشي إليه ؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه ، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملا كثيرا .
قال ابن عبد البر : وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز - في أكبر ظني - ضمن رجلا دفع آخر مرّ بين يديه وهو يصلي ، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه ، فدل على أنه لم يكن له أن يبلغ به ذلك .
وقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعا عنيفا .
وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنا : أن أبا بكر أحمد بن سلمان النجاد روى بإسناده عن مالك ، أنه بلغه أن رجلا في زمان عثمان مر بين يدي رجل وهو يصلي ، فرماه فشجه ، فأتوا عثمان ، فقال : أيمر بين يدي وأنا أصلي ؟ فقال عثمان : الذي صنعت أعظم .
وقال ابن عبد البر : في " الاستذكار " . فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله فكان فيها تلف نفسه كانت عليه ديته كاملة في ماله .
وقد قيل : الدية على عاقلته .
وقيل : هي هدر على حسب ثنية العاض .
قال : وهذا كله يدل على نفي القود ؛ لأنه فعل تولد من عمل أصله مباح .
قال : وقد كان أبو سعيد الخدري يشتد في هذا - وهو راوي الحديث - طلبا لاستعمال ظاهره .
ثم ذكر عن ابن أبي شيبة ، أنه روى عن أبي معاوية ، عن عاصم ، عن ابن سيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يمضي ، فدفعه أبو سعيد وطرحه ، فقيل [2/675] له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت .
قال : وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العالية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : مر رجل من بني مروان بين يدي في الصلاة ، فدفعته ثلاث مرات ، فشكاني إلى مروان ، فذكر ذلك لي ، فقلت : لو أبى لأخذت بشعره .
قال عبد الرزاق : وأنا ابن جريج ، قال : سمعت سليمان بن موسى يحدث ، عن عطاء ، قال : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد الخدري ، وهو يصلي ، وعليه حلة له ، ومروان أمير بالمدينة ، فرده ، فكأنه أبى ، فلهزه في صدره ، فذهب الفتى إلى أبيه ، فأخبره ، فدعا مروان أبا سعيد ، فذكر ذلك له ، فقال : نعم ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اردده ، فإن أبى فجاهده " .
وروى أبو نعيم في " كتاب الصلاة " : ثنا عبد الله بن عامر ، عن زيد بن أسلم ، قال : بينما أبو سعيد يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه ، فدرأه ، فأبى إلا أن يمر ، فدفعه ولطمه ، وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أبى إلا أن يمر فاردده ، فإن أبى إلا أن يمر فادفعه ؛ فإنما تدفع الشيطان " .
عبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف .
وزيد بن أسلم ، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، كما تقدم .
وتسمية المار الوليد بن عقبة غريب غير محفوظ .

وروى ابن أبي شيبة : ثنا أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - ومر [2/676] بين يديه رجل وهو يصلي ، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه .
وبإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه سئل : أدع أحدا يمر بين يدي ؟ قال : لا . فقيل له : فإن أبى ؟ قال : فما تصنع ؟ قيل له : إن ابن عمر كان لا يدع أحدا يمر بين يديه . قال : إن ذهبت تصنع صنيع ابن عمر دق أنفك .
وفي هذا إشارة إلى شدة رد ابن عمر من مر بين يديه ، وأن غيره لا يتمكن من مثل ذلك .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " فإنما هو شيطان " . تعليل للإذن في قتاله .
وقد اختلف في معناه :
فقيل : المعنى : أن معه الشيطان المقترن به ، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره .
ويدل عليه : حديث ابن عمر : " فإن معه القرين " .
وقيل : المراد : أن فعله هذا فعل الشيطان ، فهو بذلك من شياطين الإنس ، وهو اختيار الجوزجاني وغيره .
وروى الدراوردي ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان ، فضربه ، فقال مروان : ضربت ابن أخيك ؟ فقال : ما ضربت إلا شيطانا ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان " .
وبكل حال ؛ فيستدل به على تحريم المرور بين المصلي وسترته ؛ لأنه جعله من عمل الشياطين ، وأمر بالعقوبة عليه ، وذلك من أدلة التحريم .