باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا

أي هذا باب في بيان فضل معاونة المؤمنين بعضهم بعضا والأجر فيها ، قوله : " بعضهم " بالجر على أنه بدل من المؤمنين بدل البعض من الكل ، ويجوز الضم أيضا ، قوله : " بعضا " قال الكرماني : منصوب بنزع الخافض أي للبعض ، قلت : الأوجه أن يكون مفعول مصدر المضاف إلى فاعله وهو لفظ التعاون ؛ لأن المصدر يعمل عمل فعله .
55 - حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن أبي بردة بريد بن أبي بردة ، قال : أخبرني جدي أبو بردة ، عن أبيه أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، ثم شبك بين أصابعه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل ، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال : اشفعوا تؤجروا ، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء .

مطابقته للترجمة تؤخذ من معناه .
ومحمد بن يوسف الفريابي ، وسفيان هو الثوري ، وأبو بردة بضم الباء وسكون الراء كنية بريد مصغر البرد بن عبد الله بن أبي بردة أيضا ، واسمه عامر بن موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، فأبو بردة يروي عن جده أبي بردة ، وهو يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري .
والحديث أخرجه النسائي من طريق يحيى القطان ، حدثنا سفيان ، حدثني أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، فذكره .
قوله : " وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جالسا " إلى آخره ، مضى في الزكاة ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، حدثنا أبو بردة بن أبي موسى ، عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه سائل أو طلبت إليه حاجة قال : " اشفعوا تؤجروا ، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء " وأخرجه أيضا في التوحيد ، عن أبي كريب ، ومضى الكلام فيه .
قوله : " المؤمن " التعريف فيه للجنس ، والمراد بعض المؤمن للبعض ، قوله : " ويشد بعضه بعضا " بيان لوجه التشبيه ، قوله : " ثم شبك بين أصابعه " كالبيان للوجه ، أي شدا مثل هذا الشد ، وقال ابن بطال : المعاونة في أمور الآخرة ، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها ، وقد ثبت حديث أبي هريرة " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " قوله : " وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا " لفظ [22/115] " جالسا " ليس بموجود في رواية الزكاة ، وقال بعضهم : هكذا وقع في النسخ من رواية محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري ، وفي تركيبه قلق ولعله كان في الأصل " كان إذا كان جالسا إذ جاءه رجل " إلى آخره ، فحذف اختصارا ، أو سقط على الراوي لفظ إذا كان ، وقد أخرجه أبو نعيم من رواية إسحاق بن زريق عن الفريابي بلفظ " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طالب الحاجة أقبل علينا بوجهه " الحديث ، وهذا السياق لا إشكال فيه ، قلت : لا قلق في التركيب أصلا ، وآفة هذا الكلام من ظن هذا القائل أن جالسا خبر كان ، وليس كذلك ؛ وإنما خبر كان هو قوله : " أقبل علينا " وجالسا نصب على الحال من النبي فافهم .
قوله : " تؤجروا " رواية كريمة ، وفي رواية الأكثرين " فلتؤجروا " والفاء على هذه الرواية هي الفاء السببية التي ينتصب بعدها الفعل المضارع ، واللام بالكسر بمعنى كي ، وجاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد ، وتكون الفاء الجزائية لكونهما جوابا للأمر أو زائدة على مذهب الأخفش ، وهي عاطفة على اشفعوا واللام للأمر ، أو على مقدر أي اشفعوا لتؤجروا فلتؤجروا نحو فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقال الكرماني : ما فائدة اللام ؟ قلت : اشفعوا تؤجروا ، والشرط متضمن للسببية ، فإذا ذكرت اللام فقد صرحت بالسببية ، وقال الطيبي : اللام والفاء مقحمان للتأكيد لأنه لو قيل اشفعوا تؤجروا صح ؛ أي إذا عرض المحتاج حاجة علي فاشفعوا له إلي فإنكم إذا شفعتم حصل لكم الأجر سواء قبلت شفاعتكم أو لا ، ويجري الله على لساني ما يشاء من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها ، أي إن قضيتها أو لم أقضها ، فهو بتقدير الله وقضائه ، قوله : " وليقض الله " هكذا ثبت في هذه الرواية وليقض باللام ، وكذا في رواية أبي أسامة التي بعدها للكشميهني فقط ، وللباقين بغير لام ، وفي رواية مسلم من طريق علي بن مسهر وحفص بن غياث فليقض أيضا .