وحديث ابن عمر :
قال البخاري :
582 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى بن سعيد ، عن هشام ، قال : أخبرني أبي ، قال : أخبرني ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تحروا بصلاتكم طلوع [3/264] الشمس ولا غروبها ) .
583 - قال : وحدثني ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع ، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة ، حتى تغيب ) .
تابعه : عبدة .


وحديث عبدة الذي أشار إلى متابعته : قد خرجه في ( كتاب بدء الخلق ) : أخبرنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز ، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب ، لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ) أو ( الشيطان ) ، لا أدري أي ذلك قال هشام ؟
وخرجه مسلم من رواية وكيع وابن نمير ومحمد بن بشر ، كلهم عن هشام - بنحوه .
وفي رواية له : ( فإنها تطلع بقرني الشيطان ) .
وإنما احتاج البخاري إلى ذكر المتابعة في هذا الإسناد ؛ لأن عروة قد اختلف عليه فيه :
وهما حديثان : حديث ( لا تحروا بصلاتكم ) ، وحديث ( إذا طلع حاجب الشمس ) .
وقد روى ابن إسحاق ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : حديث : ( إذا طلع حاجب الشمس ) - الحديث ، ووهم في قوله : ( عن عائشة ) .
[3/265] ورواهما عن مالك وعروة ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا .
وروى مسلمة بن قعنب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن ابن عمر - أو : ابن عمرو - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : حديث : ( لا تحروا ) .
والصحيح : قول القطان ومن تابعه : [رواه] الدارقطني .
وذكر ابن عبد البر أن أيوب بن صالح رواه ، عن مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة .
قال : وأيوب هذا ليس ممن يحتج به ، وليس بالمشهور بحمل العلم
.
وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث : النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب .
خرجه الإمام أحمد .
وروى ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة - موقوفا - : إذا طلع حاجب الشمس .
والصواب : حديث عروة ، عن ابن عمر .
ومن قال : ( عن عائشة ) فقد وهم : ذكره الدارقطني وغيره .
فإن عروة عن عائشة سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لا يضبط ووهمه ، بخلاف : عروة ، عن ابن عمر ، فإنه غريب ، لا يقوله إلا حافظ متقن .

ورواه الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه ، عن سالم ، عن أبيه .
[3/266] ووهم في قوله : ( عن سالم ) ، ولم يتابع عليه . قاله الدارقطني أيضا .
واختلف في معنى قوله : ( تطلع بين قرني الشيطان ) على قولين :
أحدهما : أنه على ظاهره وحقيقته .
وفي حديث الصنابحي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ، فإذا ارتفعت فارقها ، فإذا كانت في وسط السماء قارنها فإذا دلكت - أو قال : زالت - فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها ، فإذا غربت فارقها ، فلا تصلوا هذه الساعات الثلاث ) .
خرجه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه .
وروى أبو بكر الهذلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن الشمس إذا طلعت أتاها ملك عن الله يأمرها بالطلوع ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع ، فتطلع بين قرنيه ، فيحرقه الله فيها ، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة ، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الغروب ، فتغرب بين قرنيه ، فيحرقه الله تحتها ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما طلعت إلا بين قرني شيطان ، ولا غربت إلا بين قرني شيطان ) .
خرجه ابن عبد البر .
والهذلي ، متروك الحديث
. وأهل هذا القول ، منهم من حمل القرن على ظاهره ، وقال : يمكن أن يكون للشيطان قرن يظهره عند طلوع الشمس وغروبها .
ومنهم من قال : المراد بقرنيه جانبي رأسه ، وإليه ميل ابن قتيبة .
والقول الثاني : أن المراد بطلوعها وغروبها بين قرني الشيطان : من يسجد [3/267] لها من المشركين ، كما في حديث عمرو بن عبسة المتقدم ، ( إنها تطلع بين قرني الشيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ) .
والقرن : الأمة . ونسبه إلى الشيطان ؛ لطاعتهم إياه ، كما قال : أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ
ومنه : قول خباب في القصاص للإنكار عليهم : هذا قرن [قد] طلع .
ورجح هذا القول كثير من المتأخرين أو أكثرهم ، وفيه نظر ؛ فإن حديث عمرو بن عبسة يدل على أن طلوعها بين قرني الشيطان غير سجود الكفار لها ؛ ولأن الساجدين للشمس لا ينحصرون في أمتين فقط .
وقالت طائفة : معنى ( بين قرني الشيطان ) أن الشيطان يتحرك عند طلوعها ويتسلط : قاله إبراهيم الحربي ، ورجحه بعضهم بأنه يقال : أنا مقرن لهذا الأمر ، أي : مطيق له .
وهذا بعيد جدا . والله أعلم .