قال البخاري - رحمه الله - :
597 - ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل ، قالا : ثنا همام ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ، [لا كفارة] لها إلا ذلك ؛ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .
قال موسى : قال همام : سمعته يقول بعد : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
وقال حبان : ثنا همام : ثنا قتادة : ثنا أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه
.

هذا الحديث قد رواه جماعة عن همام ، وجماعة عن قتادة .
وقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثني ، كلهم عن قتادة ، عن أنس ، وليس في رواية أحد منهم : التصريح بقول قتادة : ( ثنا أنس ) ، كما ذكر البخاري أن حبانا رواه عن همام .
وإنما احتاج إلى ذلك ؛ لما عرف من تدليس قتادة .
ولفظ رواية سعيد ، عن قتادة التي خرجها مسلم : ( من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) .
ولفظ حديث المثني ، عن قتادة ، عنده : ( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو [3/351] نام عنها ، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) .
وقد دل الحديث على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ ، والناسي إذا ذكر ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد .
وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم روى عن محمد بن الحسن ، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه ، إلحاقا للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء ، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده ، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد ، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر .
وأخذ الجمهور بعموم الحديث .
وقوله : ( فليصل إذا ذكر ) استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور ؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك .
وأحمد يوجبه بكل حال ، قلَّت الصلوات أو كثرت .
واستدلوا - أيضا - : بقوله : ( لا كفارة لها إلا ذلك ) .
وذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي ، كقضاء صيام رمضان ، وليس الصوم كالصلاة عندهم ، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك .
واستدلوا - أيضا - : بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة حتى خرج من الوادي .
وفيه نظر ؛ فإن ذاك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة ، وهو التباعد عن موضع يكره الصلاة فيه .
[3/352] وقد روي عن سمرة بن جندب ، فيمن عليه صلوات فائتة ، أنه يصلي مع كل صلاة صلاة .
وقد روي عنه - مرفوعا .
خرجه البزار بإسناد ضعيف
.
ولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوات بغير عذر في وجوب القضاء على الفور وجهان .
وحمل الخطابي قوله : ( لا كفارة لها إلا ذلك ) على وجهين :
أحدهما : أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل ، ولا يكفرها غير قضائها .
والثاني : أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة . قال : إنما عليه أن يصلي ما فاته .
وقد روي عن أبي هريرة - مرفوعا - : ( من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها ) .
خرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف .
واختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة .
وحفص هذا ، قال البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث . وقال يحيى بن يحيى : كذاب .
فلا يلتفت إلى ما تفرد به
.
وأما تلاوته قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .
وقد رواه قتادة - مرة - ؛ فقال : ( للذكرى ) ، ومرة قال : ( لذكري ) ، [3/353] كما هي القراءة المتواترة .
وكان الزهري - أيضا - يقرؤها : ( للذكرى ) .
وهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور ؟ لأن المعنى : أَدِّ الصلاة حين الذكرى ، والمعنى : أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها .
وبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي .
وقال مجاهد : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي تذكرني . قال : فإذا صلى عبد ذكر ربه .
ومعنى قوله : أن قوله : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي أي : لأجل ذكري بها .
والصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها ، كما في حديث عائشة المرفوع : ( إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ) .
خرجه الترمذي وأبو داود .
فأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة ، فمن ترك شيئا من ذكر الله الواجب عليه سهوا فليعد إليه إذا ذكره ، كما قال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك ، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه ، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه .
وأما ترك الصلاة متعمدا ، فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له ، ومنهم من يحكيه إجماعا .
واستدل بعضهم بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اقضوا الله الذي له ، فالله أحق بالقضاء ) .
[3/354] واستدل بعضهم : بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان بالقضاء ، فغير المعذور أولى .
وفي هذا الاستدلال نظر ؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له ، والعامد ليس القضاء كفارة له ؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق .
ولهذا قال الأكثرون : لا كفارة على قاتل العمد ، ولا على من حلف يمينا متعمدا فيها الكذب ؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا .
وأيضا ؛ فإذا قيل : إن القضاء إنما يجب بأمر جديد ، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم ، فلا دليل على إلزام العامد بالقضاء ؛ فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء ، كالنائم والناسي .
واستدل بعضهم للزوم العامد القضاء : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المجامع في رمضان عمدا بالقضاء .
كما خرجه أبو داود .
وهو حديث في إسناده مقال ؛ تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه
.
وأيضا ؛ فيفرق بين من ترك الصلاة والصيام ، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما .
فالثاني عليه القضاء ، كمن أفسد حجه ، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج ، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك ؛ لأن الحج فريضة العمر .
ومذهب الظاهرية - أو أكثرهم : أنه لا قضاء على المتعمد .
وحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق ، وعن ابن بنت الشافعي . وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمدا ، أنه [3/355] لا يجزئه قضاؤهما .
ذكره في عقيدته في آخر ( مسنده ) .
ووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين ، منهم : الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة .
قال ابن بطة : اعلم أن للصلاة أوقاتا ، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره ، ومن أخرها عن وقتها مختارا لذلك من غير عذر ، فلا فرض له .
فجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر ، كالصلاة قبل الوقت ، وقال في كل منهما : ( إنه ليس بفرض ) - يريد : أنها تقع نفلا في الحالين .
وقال البربهاري : الصلوات لا يقبل الله منها شيئا إلا أن تكون لوقتها ، إلا أن يكون نسيانا ؛ فإنه معذور ، يأتي بها إذا ذكرها ، فيجمع بين الصلاتين إن شاء .
وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله ، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة .
وروي عن طائفة من السلف ، منهم : الحسن .
وحكى الخلاف في ذلك : إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي .
قال محمد بن نصر في ( كتاب الصلاة ) : إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمدا حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها ، لا نعلم في ذلك خلافا ، إلا ما روي عن الحسن ، فمن أكفره بتركها استتابه ، وجعل توبته وقضاءها رجوعا منه إلى [3/356] الإسلام ، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية ، وأوجب عليه قضاءها .
وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة ، ويرى عليه القضاء إذا تاب ، وقال : أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة ، عن ابن المبارك ، أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياما ، ثم ندم ؟ قال : ليقض ما ترك من الصلاة . قال : ثم أقبل ابن المبارك علي ، فقال : هذا لا يستقيم على الحديث .
قال إسحاق : يقول : القياس على الأصل أن لا يقضي ، وربما بنى على الأصل ، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء ، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر ، فيجعله كالمشرك ، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار ، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميراث المرتد ، فأخذنا بالاحتياط ، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمدا ، وكان يكفره إذا تركها عمدا حتى يذهب وقتها .
قال إسحاق : وأكثر أهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها ، والاحتياط في ذلك ، فأما من مال إلى ما قال الحسن : إذا ترك صلاة متعمدا لا يقضيها ، فهو كما قال ابن المبارك : الإعادة لا تستقيم على الحديث ، ثم ترك القياس في ذلك ، فاحتاط في القضاء .
قال إسحاق : ولقد قال بعض أهل العلم : إذا ارتد عن الإسلام ، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته ، وحجته : أن ارتداده معصية ، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق .
قلت : قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنه يكون مرتدا ، ولا قضاء عليه ، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطا .
وفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران [3/357] للعلماء ، هما روايتان عن أحمد .
ومذهب الشافعي وغيره : الوجوب .
وهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمدا كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه ، ولم يعتبر أن يستتاب ، ولا أن يدعى إليها ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة - أيضا - ، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي ، وأبي بكر ، وابن أبي موسى .
ثم قال محمد بن نصر : فأما المروي عن الحسن ، فإن إسحاق ثنا ، قال : ثنا النضر ، عن الأشعث ، عن الحسن ، قال : إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمدا ، فإنه لا يقضيها .
قال محمد بن نصر : قول الحسن هذا يحتمل معنيين :
أحدهما : أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمدا ، فلذلك لم ير عليه القضاء ؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره .
والمعنى الثاني : أنه إن لم يكن يكفره بتركها ، فإنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم ، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية ؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه ، فإذا أتى به بعد ذلك ، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه ، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به ، عن المأمور به .
قال : وهذا قول غير مستنكر في النظر ، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه .
قال : ومن ذهب إلى هذا ، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها ، وفي النائم - أيضا - : إنه لو لم يأت الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( من نام عن [3/358] صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) ، لما وجب عليه في النظر قضاؤها - أيضا .
انتهى ما ذكره ملخصا .
وقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمدا ، فإنه إن كان كافرا بالترك متعمدا ، فالقياس أن لا قضاء على الكافر ، وإن كان مرتدا .
وإن لم يكن كافرا بالترك ، فالقياس أنه لا قضاء بعد الوقت ؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ، وليس فيه أمر جديد ، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له ، وهو المعذور ، والعامد لم يأت نص بأن القضاء كفارة له ، بل ولا يدل عليه النظر ؛ لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة ، كقاتل العمد ، وحالف اليمين الغموس .
وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن ، مع عظمته وجلالته ، وفضله وسعة علمه ، وزهده وورعه ؟
ولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء ، بل ولم أجد صريحا عن التابعين - أيضا - فيه شيئا ، إلا عن النخعي .
وقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمدا ، أنه لا تقبل منه صلاة ، كما روي عن الصديق - رضي الله عنه - أنه قال لعمر في وصيته له : إن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار ، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل .
يشير إلى صلوات الليل والنهار .
وفي حديث مرفوع : ( ثلاثة لا يقبل لهم صلاة ) ، ذكر منهم : ( الذي لا يأتي الصلاة إلا دبارا ) - يعني : [بعد] فوات الوقت .
خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعا .
[3/359] وفي إسناده ضعف
.
ولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل ، كصلاة السكران في مدة الأربعين ، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط .
فإن قيل : فقد قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها .
وكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة : أي المحافظة على مواقيتها ، وأن تركها كفر .
ففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها .
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلف من أخبر أنه يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها ، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة .
وقد سئل عن الأمراء وقتالهم ؟ قال : ( لا ، ما صلوا ، وكانت على هذا الوجه ) ، فدل على إجزائها .
قيل : السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم تعمد التأخير عن الوقت الحاضر ؛ فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت - أحيانا - عن غير تعمد لذلك ، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة ، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء ، وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين .
وهذه الصلاة كلها مجزئة ، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالاتفاق .
وقد سئل سعيد بن جبير ، عن قوله : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ فدخل المسجد ، فرأى قوما قد أخروا الصلاة ، لا يتمون ركوعا ولا سجودا ، فقال : الذي سألتني عنهم هم هؤلاء .
[3/360] وهذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( صلاة المنافقين ) .
وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلفهم نافلة ، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس ، وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت ، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار ، وكغيرهم عند طائفة من العلماء .
فليس حكمهم حكم من ترك الصلاة ؛ فإن التارك هو المؤخر عمدا إلى وقت مجمع على أنه غير جائز ، كتأخير صلاة الليل إلى النهار ، وصلاة النهار إلى الليل عمدا ، وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمدا .
وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة .
فروى أبو هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة ، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، وإن انتقص من فريضته شيئا قال الرب تبارك وتعالى : انظروا ، هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة ؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك ) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وهذا لفظه ، وقال : حسن غريب - وابن ماجه .
وله طرق عن أبي هريرة ، أشهرها : رواية الحسن ، وقد اختلفوا عليه في إسناده إلى أبي هريرة :
فقيل : عن الحسن ، عن أنس بن حكيم ، عن أبي هريرة .
[3/361] وقيل : عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة .
وقيل غير ذلك .
ورواه حماد بن سلمة ، عن الأزرق بن قيس ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
خرجه النسائي .
وقيل - بهذا الإسناد - : عن يحيى بن يعمر ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
خرجه الإمام أحمد .
وهذا إسناد جيد .
وروي عن أبي هريرة من وجه آخر .
وروى حماد بن سلمة ، عن داود بن أبي هند ، عن زرارة بن أوفى ، عن تميم الداري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعنى حديث أبي هريرة .
خرجه أبو داود وابن ماجه .
وزرارة ، قال الإمام أحمد : ما أحسبه لقي تميما .
وقد روي حديث أبي هريرة وتميم موقوفا عليهما
.
وقد خرج الإمام أحمد هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الأشعث بن [3/362] سليم ، عن أبيه ، عن رجل من بني يربوع ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك .
وخرج - أيضا - من طريق ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج : سمعت رجلا من كندة يقول : حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( لا ينتقص أحدكم من صلاته شيئا إلا أتمها الله من سبحته ) .
وخرجه أبو القاسم البغوي بنحو هذا اللفظ من حديث عائذ بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد روي هذا المعنى - أيضا - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر وابن عباس ، وفي إسنادهما ضعف
.
واختلف الناس في معنى تكميل الفرائض من النوافل يوم القيامة :
فقالت طائفة : معنى ذلك أن من سها في صلاته عن شيء من فرائضها أو مندوباتها كمل ذلك من نوافله يوم القيامة ، وأما من ترك شيئا من فرائضها أو سننها عمدا ، فإنه لا يكمل له من النوافل ؛ لأن نية النفل لا تنوب عن نية الفرض .
هذا قول عبد الملك بن حبيب المالكي وغيره .
وقالت طائفة : بل الحديث على ظاهره في ترك الفرائض والسنن عمدا وغير عمد .
وإليه ذهب الحارث المحاسبي وغيره .
وهو قول طائفة من أصحابنا وابن عبد البر ، إلا أنهم خصوه بغير العامد .
[3/363] وحمله آخرون على العامد وغيره ، وهو الأظهر - إن شاء الله تعالى .
وقولهم : ( نية الفرض لا ينوب عنها نية النفل ) إنما هو بالنسبة إلى أحكام تكليف العباد في الدنيا ، فأما بالنسبة إلى فضل الله في الآخرة فلا ؛ لأن فضله واسع لا حجر عليه ، بل هو تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد .
مع أن في تأدية الفرائض بنية التطوع اختلافا مشهورا بين العلماء في الحج والصيام والزكاة ، وكذا في الصلاة .
وأيضا ؛ فقد حكينا فيما سبق في ( كتاب الإيمان ) عن سفيان ، أن من نسي صلاة فدخل مع قوم يصلونها ، وهو ينوي أنها تطوع ، أنها تقع عن الفرض الذي عليه .
وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي الفريابي : صل ركعتي الفجر في البيت ، فإن مت قبل الفريضة أجزأتك من الفريضة .
وروي عن بعض الصحابة ، أنه دخل المسجد ولم يكن صلى الظهر ، وإن الإمام يصلي العصر ، فصلى معه وهو يظن أنها الظهر ، فاعتد بها عن العصر ، ثم صلى الظهر .
خرجه الجوزجاني .
واستدل الأولون بالأحاديث التي فيها : أن من ضيع بعض حدود الصلاة ، أنه لا عهد له عند الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له .
ولا حجة في ذلك ؛ لأن الله إذا شاء أن يغفر لعبد أكمل فرائضه من نوافله ، وذلك فضل من عنده يفعله مع من يشاء أن يرحمه ولا يعذبه .
واستدلوا - أيضا - بما روى موسى بن عبيدة ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل المصلي مثل [3/364] التاجر ، لا يخلص له ربحه حتى يأخذ رأس ماله ، فكذلك المصلي لا يقبل له صلاة نافلة حتى يؤدي الفريضة ) .
خرجه البزار والهيثم بن كليب في ( مسنديهما ) والإسماعيلي .
وموسى بن عبيدة ، ضعيف جدا من قبل حفظه ، وقد تفرد بهذا
.
وخرج أبو الشيخ الأصبهاني من طريق أبي أمية ، عن الحسن ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : ( من صلى المكتوبة فلم يتم ركوعها ولا سجودها ، ثم يكثر من التطوع ، فمثله كمثل من لا شف له حتى يؤدي رأس ماله ) .
وأبو أمية ، هو : عبد الكريم ، متروك الحديث
.
و ( الشف ) : من أسماء الأضداد ، يكون بمعنى الزيادة ، وبمعنى النقص .
وخرجه إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) ، عن كلثوم بن محمد بن أبي سدرة ، عن عطاء الخراساني ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا صلى الرجل الصلاة المكتوبة ، فلم يتم ركوعها ولا سجودها وتكبيرها والتضرع فيها ، كان كمثل التاجر لا شف له ، حتى يفي رأس ماله ) .
وكلثوم ، ضعفه ابن عدي وغيره . وعطاء ، لم يسمع من أبي هريرة
.
ومعنى هذه الأحاديث - إن صح منها شيء - : أن النوافل يكمل بها نقص الفرائض ، فلا يسلم له شيء من النوافل حتى يكمل نقص الفرائض ؛ ولهذا شبهه بالتاجر الذي [لا] يخلص له ربح حتى يستوفي رأس ماله ، ويظهر هذا في المضارب بمال غيره ، ولهذا يقول الفقهاء : إن ربحه وقاية لرأس المال .
ومن هنا ؛ قال طائفة من السلف - منهم ابن عباس وأبو أمامة - : إنما النافلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة .
[3/365] يعنون : أن غيره تكمل فرائضه بنوافله ، فلا يخلص له نافلة ، فنوافله جبرانات لفرائضه .
وروى إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) : ثنا عبد الله بن واقد : ثنا حيوة بن شريح ، عن أبي الأسود ، عن ابن رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عليه من رمضان شيء ، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه ، ومن صلى تطوعا وعليه مكتوبة ، لم يتقبل منه ) .
عبد الله بن واقد ، هو : أبو قتادة الحراني ، تكلموا فيه .
وهذا غريب من حديث حيوة ، وإنما هو مشهور من حديث ابن لهيعة .

وقد خرجه الإمام أحمد عن حسن الأشيب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من صام تطوعا وعليه من رمضان شيء لم يقضه ، فإنه لا يتقبل منه ) .
ولم يذكر في حديثه : ( الصلاة ) .
وقد روي مرفوعا .
وقال أبو زرعة : الصحيح المرفوع .
ونفي القبول لا يستلزم [نفي] الصحة بالكلية ، وقد سبق ذكر ذلك غير مرة .
[3/366] ويدل على ذلك : أن في تمام الحديث الذي خرجه الإمام أحمد : ( من أدرك رمضان ، وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه ) ، ومعلوم أنه يلزمه قضاؤه بعد رمضان مع الإطعام .
ولا يعلم في لزوم القضاء خلاف ، إلا عن ابن عمر من وجه فيه ضعف ، والخلاف مشهور في وجوب الإطعام مع القضاء .
وقد نقل إبراهيم الحربي ، عن أحمد ، أنه سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا صلاة لمن عليه صلاة؟ ) قال : لا أعرف هذا اللفظ .
قال الحربي : ولا سمعت بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا يدل على أن الحديث الذي خرجه إسحاق لا أصل له
.
وقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان : هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء ، أم لا ؟ فيه قولان معروفان ، هما روايتان عن أحمد .
وأكثر العلماء على جوازه ، وروي عن طائفة من السلف المنع منه .
وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : مثل الذي يتطوع بالصوم وعليه قضاء رمضان ، كمثل الذي يسبح وهو يخاف أن تفوته المكتوبة .
وكذلك لو كان عليه صلاة فائتة ، فتطوع قبل قضائها ، فإن كان التطوع بسنتها الراتبة ، فهو جائز ، بل يستحب عند جمهور العلماء ، خلافا لمالك ، وقد سبق ذلك ، وإن كان تطوعا مطلقا ، فقال أصحابنا : لا يجوز ؛ لأن القضاء عندهم على الفور ، بخلاف قضاء رمضان ؛ فإنه على التراخي حتى يتضايق وقته في شعبان .
[3/367] وفي انعقاده - لو فعل - وجهان ، وحكي روايتان .
ورجح بعضهم عدم الانعقاد ، وحمل حديث تكميل الفرائض بالنوافل على السنن الرواتب ، أو على من تطوع ونسي أن عليه فائتة .
والذين لا يرون على العامد القضاء بالكلية ، لا يتصور هذه المسألة عندهم ، لأنهم يقولون : ليس يلزمه قضاء بالكلية .