قال البخاري - رحمه الله -
849 - حدثنا أبو الوليد ، ثنا إبراهيم بن سعد ، ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، عن أم سلمة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم مكث في مكانه يسيرا .
قال ابن شهاب : فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء .
850 - وقال ابن أبي مريم : أنا نافع بن يزيد ، حدثني جعفر بن ربيعة ، أن ابن شهاب كتب إليه ، قال : حدثتني هند بنت الحارث الفراسية ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت من صواحباتها - قالت : كان يسلم ، فينصرف النساء فيدخلن في بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .


ثم ذكر روايات أخر عن الزهري ، حاصلها يرجع إلى قولين في نسبة هند بنت الحارث :
منهم من قال : " الفراسية " .
[5/267] ومنهم من قال : " القرشية " .
وقيل : إنها فراسية بالنسب ، قرشية بالحلف ، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود .
وفي الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيرا ، وإنما كان يمكث بعد إقباله على الناس بوجهه ، لا يمكث مستقبلا للقبلة ، وبهذا يجمع بين هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب الماضي .
ويدل على أنه كان يجلس قبل انصرافه يسيرا : ما خرجه مسلم من حديث البراء بن عازب ، قال : رمقت الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدت قيامه ، فركعته ، فاعتداله بعد ركوعه ، فسجدته ، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته ، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء .
فهذا الحديث : صريح في أنه كان يجلس بعد تسليمه قريبا من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين ، ثم ينصرف بعد ذلك .
وخرج مسلم - أيضا - من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول : " اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام " .
وقد سأل أبو داود الإمام أحمد ، عن تفسير حديث عائشة ، وهل المعنى : أنه يجلس في مقعده حتى ينحرف ؟ قال : لا أدري .
فتوقف : هل المراد جلوسه مستقبل القبلة يسيرا ؟
[5/268] قال : وقال أبو يحيى الناقد : صليت خلف أبي عبد الله - يعني : أحمد - فكان إذا سلم من الصلاة لبث هنية ، ثم ينحرف . قال : فظننته يقول ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
فحكى القاضي في كراهة جلوس الإمام مستقبل القبلة بعد سلامه يسيرا روايتين عن أحمد .
والمنصوص عن أحمد في تكبير أيام التشريق : أن الإمام يكبر مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ، وحكاه عن النخعي .
قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : والعمل على ذلك .
وهذا يدل على أنه يستحب الذكر اليسير للإمام قبل انحرافه .
ومن المتأخرين من أصحابنا من قال : إنما يكبر الإمام بعد استقباله للناس ، واستدلوا فيه بحديث مرفوع ، لا يصح إسناده .
والمنقول عن السلف يدل على أن الإمام ينحرف عقب سلامه ، ثم يجلس إن شاء
.
روى عبد الرزاق في " كتابه " ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ولينحرف عن مجلسه . قلت : يجزئه ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة ؟ قال : الانحراف يغرب أو يشرق ، عن غير واحد .
وكأن المسئول معمرا . والله أعلم .
وروى - أيضا - بإسناده ، عن مجاهد ، قال : ليس من السنة أن يقعد [5/269] حتى يقوم ، ثم يقعد بعد إن شاء .
وعن سعيد بن جبير ، أنه كان يفعله .
وعن عطاء ، قال : قد كان يجلس الإمام بعدما يسلم - وأقول أنا : التسليم : الانصراف - قدر ما ينتعل نعليه .
وعن عبيدة ، أنه قال لما سمع مصعبا يكبر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة : ما له ، قاتله الله ، نعار بالبدع .
ويستثنى من ذلك : الجلوس بعد الفجر ، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنا .
ففي " صحيح مسلم " ، عن جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام .
وروى وكيع بإسناده ، عن النخعي ، أنه كان إذا سلم قام ، إلا الفجر والعصر . فقيل له في ذلك ؟ فقال : ليس بعدهما صلاة .
قال أحمد - في الإمام إذا صلى يقوم الفجر أو العصر - : أعجب إلي أن ينحرف ، ولا يقوم من موضعه .
وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس .
فأما جلوسه بعد الظهر ، فقال أحمد : لا يعجبني .
قال القاضي أبو يعلى : ظاهر كلامه : أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها ، ولا يستحب بعد غيرها .
[5/270] قال : وروى الخلال بإسناده ، عن عابد الطائي ، قال : كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلاه بعد صلاة يصلى بعدها ، فإذا كانت صلاة لا يصلى بعدها فإن شاء قام ، وإن شاء جلس .
وحكي عن أصحاب الشافعي : أن المستحب للإمام أن يقوم ولا يجلس في كل الصلوات .
وقد نص الشافعي في " المختصر " على أنه يستحب للإمام أن يقوم عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء .
فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه ، يذكر الله ، خصوصا بعد الصبح والعصر ، ولا نعلم في ذلك خلافا .
وقد صح الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ، ما لم يحدث ، وقد سبق ذكره ، ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر ، وكان السلف الصالح يحافظون عليه .
ومتى أطال الإمام الجلوس في مصلاه ، فإن للمأموم أن ينصرف ويتركه ، وسواء كان جلوسه مكروها أو غير مكروه .
قال ابن مسعود : إذا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف ، وكانت لك حاجة فاذهب ودعه ، فقد تمت صلاتك .
خرجه عبد الرزاق .
وذكر بإسناده ، عن عطاء ، قال : كلامه بمنزلة قيامه ، فإن تكلم فليقم المأموم إن شاء .
[5/271] وإن لم يطل الإمام الجلوس ، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام ، كذا قال الزهري والحسن وقتادة وغيرهم .
وقال الزهري : إنما جعل الإمام ليؤتم به .
يشير إلى أن مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلا بانصرافه .
وفي " صحيح مسلم " ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أيها الناس ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف " .
وحديث أم سلمة المخرج في هذا الباب يدل عليه ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس يسيرا حتى ينصرف النساء ، فلا يختلط بهن الرجال ، وهذا يدل على أن الرجال كانوا يجلسون معه ، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه .
وقد روي ذلك صريحا في هذا الحديث :
خرجه البخاري فيما بعد من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، ولفظه : إن النساء كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الرجال ما شاء الله ، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال .
وفي هذا الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عاما للمأمومين ، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء ، كما أمر بشهود النساء العيدين حتى الحيض ، وقال : " يشهدن الخير ودعوة المسلمين " ، فلو كان عقب الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال - أيضا .
وقال الشافعي في " الأم " : فإن قام الإمام قبل ذلك ، أو جلس أطول من [5/272] ذلك ، فلا شيء عليه . قال : وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام ، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي .
وظاهر كلام كثير من السلف : كراهة ذلك ، كما تقدم .
وفي " تهذيب المدونة " للمالكية ، ولا يقيم الإمام في مصلاه إذا سلم ، إلا أن يكون في سفر أو فنائه ، وإن شاء تنحى وأقام .