ثم قال البخاري :
945 - حدثني يحيى ، ثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاء عمر يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش ، ويقول : يا رسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وأنا ما صليتها بعد " . قال : فنزل إلى بطحان ، فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس ، ثم صلى المغرب بعدها
.

" يحيى " شيخ البخاري ، قيل : إنه ابن جعفر بن أعين البيكندي . وقيل : إنه ابن موسى بن عبد ربه ابن ختّ البلخي ، وكلاهما يروي عن وكيع .
وقد خرجه البخاري في آخر " المواقيت " من غير وجهٍ ، عن يحيى بن أبي كثير .
وسبق الكلام على وجه تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في ذلك اليوم : هل كان نسيانًا ، أو اشتغالا بالحرب ؟
وعلى هذا التقدير : فهل هوَ منسوخ بنزول آيات صلاة الخوف ، كما روي ذَلِكَ عن أبي سعيد الخدري ، أو هو محكم باقٍ ؟
والبخاري يشير إلى بقاء حكمه من غير نسخ .
[6/57] وقال كثير من العلماء : إنه نسخ بصلاة الخوف ، وحديث أبي سعيد يدل عليه ، وقد ذكرناه هنالك ، وممن ذكر ذلك : الشافعي ، وكثير من أصحابنا وغيرهم .
وأما قول ابن إسحاق : إن صلاة عسفان وذات الرقاع كانت قبل الخندق ، ففيه نظر . والله سبحانه وتعالى أعلم .
وكذلك ذكر ابن سعد : أن غزوة ذات الرقاع كانت على رأس سبعة وأربعين شهرًا من الهجرة ، وفيها صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أول ما صلاها .
وقد رد البخاري في " المغازي " من " صحيحه " هذا بوجهين :
أحدهما : أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع ، وأبو موسى إنما جاء بعد خيبر ، وذلك بعد الخندق .
والثاني : أن جابرًا ذكر أن صلاة الخوف إنما كانت في السنة السابعة ، وقد ذكرنا حديثه هذا في الباب الأول من " أبواب صلاة الخوف " .
وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث - أعني : حديث جابر في تأخير الصلاة يوم الخندق - على جواز تأخير الصلاة في حال الخوف لمن لم يقدر على الوضوء إلا بعد الوقت - في رواية جماعة من أصحابه .
وعنه رواية أخرى : أنه يتيمم ويصلي في الوقت ، وقد سبق ذلك في " التيمم " .
فحمل الإمام أحمد تأخير الصلاة يوم الخندق على أنه كان للاشتغال بالحرب ، كما حمله البخاري .
قال الإمام أحمد : وقد قيل : إن ذلك كان قبل نزول هذه الآية : [6/58] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا
يعني : حديث أبي سعيد .
وحديث أبي سعيد إنما يدل على أن ذلك قبل نزول صلاة شدة الخوف بالإيماء رجالا وركبانا ، لم يدل على أن صلاة الخوف لم تكن نزلت .
والبخاري قد قرر في " كتاب المغازي " أن صلاة الخوف إنما شرعت في السنة السابعة ، وذلك بعد الخندق بلا ريب ، ومع هذا فجعل التأخير يوم الخندق محكما غير منسوخ بصلاة الخوف ، ويكون الجمع بينهما بأنه مخير حال شدة الخوف بين التأخير وبين الصلاة بالإيماء ، كما يقوله الإمام أحمد - في رواية عنه .
واجتماع الصحابة كلهم على النسيان يوم الخندق بعيد جدا ، إلا أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الناسي ، وإن الصحابة اتبعوه على التأخير من غير سؤال له عن سببه .
ويشهد لهُ : أنه جاء في رواية للإمام أحمد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ " قالوا : لا ، فصلاهما .
وفيه : دليل على رجوع الشاك في أصل صلاته : هل صلاها ، أو لا ؟ إلى قول غيره ، كما يرجع إلى قوله في الشك في عدد ما صلى .
وقد قال الحسن - في الرجل يشك : هل صلى ، أم لا ؟ - : يعيد ما كانَ في وقت تلك الصَّلاة ، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليهِ .
ذكره عبد الرزاق ، بإسناده عنه .