قال وهيب : حدثنا عمرو الحياة ، وقال : خردل من خير .

الكلام فيه من وجوه :
الأول : أن هذا من باب تعليقات البخاري ، ولكنه أخرجه مسندا في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل ، عن وهيب ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، به . وسياقه أتم من سياق مالك ، لكنه قال : " من خردل من إيمان " . كرواية مالك ، وقد اعترض على البخاري بهذا ، ولا يرد عليه ؛ لأن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في مسنده ، عن عفان بن مسلم ، عن وهيب ، فقال : " من خردل من خير " كما علقه البخاري ، وقد أخرج مسلم عن أبي بكر هذا ، لكن لم يسق لفظه .
الثاني : في إيراد البخاري هذه الزيادة من حديث وهيب . هنا فوائد :
منها قول وهيب : حدثنا عمرو آتيا بلفظ التحديث بخلاف مالك فإنه أتى بلفظة : عن ، وفيها خلاف معروف : هل يدل على الاتصال والسماع أم لا ، فأزال البخاري بهذه الزيادة توهم الخلاف مع أن مالكا غير مدلس ، والمشهور عند أهل هذا الفن أن لفظة " عن " محمولة على الاتصال إذا لم يكن المعنعن مدلسا
.
ومنها إزالة الشك الذي جاء في حديث مالك عن عمرو في قوله : " الحياء أو الحياة " فأتى به وهيب مجردا من غير شك ، فقال : نهر الحياة .
ومنها قوله : " من خير " ، وتقدم الكلام عليه .
الثالث : قوله : " الحياة " بالجر على الحكاية ، والمعنى أن وهيبا وافق مالكا في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده ، وجزم بقوله في نهر الحياة ، ولم يشك كما شك مالك رحمه الله تعالى .
قوله : " وقال خردل من خير " : بجر خردل أيضا على الحكاية ، أي : قال وهيب في روايته : مثقال حبة من خردل من خير ، فخالف مالكا أيضا في هذه اللفظة كما ذكرنا .
قوله : " وهيب " ، بضم الواو ، وفتح الهاء ، وسكون الياء ، آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري ، روى عن هشام بن عروة ، وأيوب ، وسهيل ، وعمرو بن يحيى ، وغيرهم ، روى عنه القطان ، وابن مهدي ، وأبو داود الطيالسي ، وخلق كثير ، اتفق على توثيقه ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث حجة ، وكان يملي من حفظه ، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، روى له الجماعة وقد سجن فذهب بصره .
قوله : " حدثنا عمرو " ، بفتح العين ، هو عمرو بن يحيى المازني ، وقد مر ذكره عن قريب .