[2/19] 5 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث ، عن سعيد - هو المقبري - عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيكم محمد ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ . فقال له الرجل : ابن عبد المطلب ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجبتك . فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة ، فلا تجد علي في نفسك ! فقال : سل عما بدا لك ! فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم نعم ! فقال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر .

لما ذكر احتجاج بعضهم في القراءة على العالم لحديث ضمام بن ثعلبة أخرجه هاهنا بتمامه .
بيان رجاله ؛ وهم خمسة :
الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي ، وقد مر .
الثاني : الليث بن سعد المصري ، وقد مر .
الثالث : سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وقد مر .
الرابع : شريك بن عبد الله بن أبي نمر - بفتح النون وكسر الميم - القرشي أبو عبد الله المدني القرشي ، وقال الواقدي : الليثي . وقال غيره : الكناني . وجده أبو نمر شهد أحدا مع المشركين ثم هداه الله إلى الإسلام ، سمع أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وغيرهم ، روى عنه مالك وسعيد المقبري وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وغيرهم .
قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . وقال يحيى بن معين : ليس به بأس . وقال ابن عدي : شريك رجل مشهور من أهل الحديث ، حدث عنه الثقات ، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف ، روى له الجماعة إلا الترمذي ، توفي سنة أربعين ومائة .
الخامس : أنس بن مالك ، وقد مر .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته ما بين تنيسي ومصري ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .
فإن قلت : هذا الحديث فيه اختلاف من وجهين ؛ أحدهما أن النسائي رواه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث قال : حدثني محمد بن عجلان وغيره عن سعيد . والثاني : أخرجه النسائي أيضا والبغوي من طريق الحارث بن عمر عن عبد الله العمري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرج ابن منده من طريق الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - قلت : أما الأول فإنه يمكن أن يكون الليث قد سمع من سعيد بواسطة ثم لقيه فحدث به ، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن الليث : حدثني سعيد - وكذا رواية ابن منده من طريق ابن وهب عن الليث ، وأما الثاني فلأن الليث أثبتهم في سعيد .
بيان من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود في الصلاة عن عيسى بن حماد عن الليث - نحوه ، والنسائي في الصوم عن عيسى بن حماد - به ، وعن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن الليث : حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن عيسى بن حماد - به .
بيان اللغات : قوله " على جمل " ، وهو زوج الناقة ، وتسكين الميم فيه لغة ، ومنه قراءة أبي السماك " حتى يلج الجمل " بسكون الميم ، والجمع جمال وجمالة وجمالات وجمائل وأجمال .
قوله " فأناخه " ، يقال أنخت الجمل أبركته ، ويقال أيضا أناخ الجمل نفسه أي برك ، وقال ابن الأعرابي : لا يقال أناخ ولا ناخ .
قوله " ثم عقله " بفتح العين المهملة والقاف ، قال الجوهري : عقلت البعير [2/20] أعقله عقلا ، وهو أن يثني وظيفه مع ذراعه ليشدهما جميعا في وسط الذراع ، والوظيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل ، والحبل الذي يشد به هو العقال ، والجمع عقل .
قوله " متكئ " مهموز ، يقال : اتكأ على الشيء فهو متكئ ، والموضع متكأ - كله مهموز الآخر . وتوكأت على العصا ، وكل من استوى على وطاء فهو متكئ ، وهذا المعنى هو المراد في الحديث .
قوله " بين ظهرانيهم " بفتح الظاء والنون ، وفي الفائق : يقال أقام فلان بين ظهراني قومه وبين ظهرانيهم أي بينهم . وأقحم لفظ الظهر ليدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم - أي منهم - والاستناد إليهم ، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه ، فهو مكتوف من جانبيه ، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم مطلقا وإن لم يكن مكتوفا ، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كما تزاد في النسبة نحو نفساني في النسبة إلى النفس ونحوه .
قوله " فلا تجد علي " بكسر الجيم ؛ أي لا تغضب ، يقال وجد عليه موجدة في الغضب ، ووجد مطلوبه وجودا ، ووجد ضالته وجدانا ، ووجد في الحزن وجدا ، ووجد في المال جدة - أي استغنى ؛ هذا الذي ذكره الشراح ، وهي خمسة مصادر . وقال بعضهم : ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني - قلت : لا نسلم ذلك ، بل يقال وجد مطلوبه يجده - بكسر الجيم - ويجده بالضم وهي لغة عامرية ، ووجد بكسر الجيم لغة ، قاله في العباب . وكذلك يقال وجد عليه في الغضب يجد بكسر الجيم ويجد بضمها موجدة ووجدانا أيضا - حكاها بعضهم ، وأنشد الفراء في نوادره لصخر الغي يرثي ابنه تليدا :
وقالت لن ترى أبدا تليدا
بعينك آخر العمر الجديد
كلانا رد صاحبه بيأس
وإثبات ووجدان شديد
وكذا يقال وجد في المال وجدا ووجدا ووجدا وجدة - أربع مصادر ، وقرأ الأعرج ونافع ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة وطاوس وأبو حيوة وأبو البر هشيم " من وجدكم " بفتح الواو ، وقرأ أبو الحسن روح بن عبد المؤمن " من وجدكم " بالكسر ، والباقون " من وجدكم " بالضم .
قوله " عما بدا " أي ظهر ، من البدو .
قوله " أنشدك " بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة ، ومعناه أسألك بالله . وقال الجوهري : نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك الله ! أي سألتك بالله ، كأنك ذكرته إياه فتنشد أي تذكر . وقال البغوي في شرح السنة : أصله من النشيد وهو رفع الصوت ، والمعنى سألتك رافعا صوتي . وفي العباب : نشدت فلانا أنشده نشدا ، ونشدت الضالة أنشدها نشدا ونشدة ونشدانا : طلبتها .
قوله " هذه الصدقة " أراد به الزكاة .
بيان التصريف : قوله " جلوس " جمع جالس ، كركوع جمع راكع .
قوله " فأناخه " ، أصله فأنوخه ؛ قلبت الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى ما قبلها .
قوله " والنبي متكئ " اسم فاعل من اتكأ يتكئ ، أصله موتكِئ ؛ قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء . وكذلك أصل اتكأ ويتكئ يوتكئ ؛ لأن مادته واو وكاف وهمزة . ومنه يقال رجل تكأة ، أصله وكأة مثل تؤدة إذا كان كثير الاتكاء ، والاتكاء أيضا ما يتكأ عليه ، وهي المتكأ ، قال الله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال الأخفش : هو في معنى مجلس .
قوله " فمشدد " اسم فاعل من شدد تشديدا ، والمسألة - بفتح الميم - مصدر ميمي ؛ يقال سألته الشيء وسألته عن الشيء سؤالا ومسألة ، وقد تخفف الهمزة فيقال : سال يسال . وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير سَأَلَ سَائِلٌ بتخفيف الهمزة .
قوله " سل " أمر من سأل يسأل ، وأصله اسأل على وزن افعل ، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت للتخفيف ، واستغني عن همزة الوصل فحذفت ، فصار سل على وزن فل ؛ لأن الساقط هو عين الفعل .
قوله " فلا تجد علي " ، أصله فلا توجد ؛ لأنه من وجد عليه .
قوله " بدا " فعل ماض ، تقول : بدا الأمر بدوا مثل قعد قعودا - أي ظهر ، وأبديته أظهرته .
بيان الإعراب : قوله " بينما " أصله بين زيدت عليه ما ، وهو من الظروف الزمانية اللازمة الإضافة إلى الجملة . وبين وبينما يتضمنان بمعنى المجازات ، ولا بد لهما من جواب ، والعامل فيهما الجواب إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة ، وإلا فمعنى المفاجأة .
قوله " نحن " مبتدأ ، وجلوس خبره .
قوله " في المسجد " اللام فيه للعهد ؛ أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله " دخل رجل " هو جواب " بينما " ، وفي رواية الأصيلي " إذ دخل رجل " ، وقد مر غير مرة أن الأصمعي لا يستفصح إذ وإذا في جواب بين وبينما .
قوله " على جمل " في محل الرفع على أنه صفة لرجل .
قوله " فأناخه " عطف على قوله " دخل " .
قوله [2/21] " أيكم " كلام إضافي مبتدأ ، ومحمد خبره ، وأي هاهنا للاستفهام .
قوله " والنبي متكئ " جملة اسمية وقعت حالا .
قوله " هذا الرجل " مبتدأ وخبر مقول القول ، والأبيض بالرفع صفة للرجل ، وكذلك المتكئ .
قوله " فقال له " ؛ أي فقال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام .
قوله " ابن عبد المطلب " بفتح النون ؛ لأنه منادى مضاف ، وأصله يا ابن عبد المطلب فحذف حرف النداء . وفي رواية الكشميهني " يا ابن عبد المطلب " بإثبات حرف النداء .
قوله " فقال له الرجل " ؛ أي الرجل المذكور في قوله " دخل رجل على جمل " .
قوله " إني سائلك " جملة اسمية مؤكدة بأن مقول القول .
قوله " فمشدد " عطف على سائلك .
قوله " فلا تجد " نهي كما ذكرناه .
قوله " فقال : سل " ؛ أي فقال الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل : سل .
قوله " بربك " ؛ أي بحق ربك ، الباء للقسم .
قوله " آلله " بالمد في المواضع كلها ؛ لأنها همزتان الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة لفظة الله ، وهو مرفوع بالابتداء ، وأرسلك خبره .
قوله " اللهم نعم ! " ، قال الكرماني : " اللهم " أصله يا الله ، فحذف حرف النداء وجعل الميم بدلا منه ، والجواب هو " نعم " ، وذكر لفظ اللهم للتبرك ، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدا لصدقه . قلت : اللهم تستعمل على ثلاثة أنحاء ؛ الأول للنداء المحض - وهو ظاهر ، والثاني للإيذان بندرة المستثنى كما يقال : اللهم إلا أن يكون كذا . والثالث البدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به ، كقولك لمن قال أزيد قائم : اللهم نعم ، أو اللهم لا - كأنه يناديه تعالى مستشهدا على ما قاله من الجواب .
قوله " أنشدك " جملة من الفعل والفاعل ، والباء في " بالله " للقسم .
قوله " أن تصلي " بتاء الخطاب ، ووقع عند الأصيلي بالنون .
قوله " الصلوات الخمس " ، هكذا بجمع " الصلوات " عند الأكثرين ، ووقع في رواية الكشميهني والسرخسي " الصلاة " بالإفراد . فإن قلت : على هذا كيف توصف الصلاة بالخمس وهي مفردة ؟ قلت : هي للجنس ، فيحتمل التعدد . وقال القاضي عياض : " أن نصلي " بالنون أوجه ، ويؤيده رواية ثابت عن أنس بلفظ " إن علينا خمس صلوات ليومنا وليلتنا " .
قوله " أن تصوم " بتاء المخاطبة ، وعند الأصيلي بالنون .
قوله " هذا الشهر " ؛ أي شهر رمضان من السنة ، أي من كل سنة ، إذ اللام للعهد ، والإشارة فيه لنوع هذا الشهر لا لشخص ذلك الشهر بعينه .
قوله " أن تأخذ هذه الصدقة " بتاء المخاطب وكذلك " تقسمها " ، وأن مصدرية ، وأصلها بأن تأخذ - أي تأخذ الصدقة .
قوله " فتقسمها " بالنصب عطف على قوله " أن تأخذها " .
قوله " بما جئت " ؛ أي بالذي جئت به .
قوله " وأنا " مبتدأ ، ورسول خبره مضاف إلى " من " بفتح الميم وهي موصولة ، وكلمة " من " في قوله " من قومي " للبيان .
بيان المعاني : قوله " فأناخه في المسجد " فيه حذف ، والتقدير : فأناخه في رحبة المسجد ونحوها ، وإنما قلنا هكذا لتتفق هذه الرواية بالروايات الأخرى ؛ فإن في رواية أبي نعيم " أقبل على بعير له حتى أتى المسجد ، فأناخه ثم عقله فدخل المسجد " ، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولفظها " فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل " .
قوله " هذا الرجل الأبيض " المراد به البياض النير الزاهر ، وأما ما ورد في صفته أنه ليس بأبيض ولا آدم فالمراد به البياض الصرف كلون الجص كريه المنظر ؛ فإنه لون البرص . ويقال : المراد بالأبيض هو الأبيض المشرب بحمرة ، يدل عليه ما جاء في رواية الحارث بن عمير " فقال : أيكما ابن عبد المطلب ؟ فقالوا : هو الأمغر المرتفق " ، قال الليث : الأمغر الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف . وقال غيره : الأمغر الأحمر الشعر والجلد على لون المغرة . وقال ابن فارس : الأمغر من الخيل الأشقر . قلت : مادته ميم وغين معجمة وراء مهملة .
قوله " أجبتك " ، ومعناه سمعتك . وقال الكرماني : فإن قلت : متى أجاب حتى أخبر عنه ؟ قلت : أجبت بمعنى سمعت ، أو المراد منه إنشاء الإجابة . وإنما أجابه عليه السلام بهذه العبارة لأنه أخل بما يجب من رعاية غاية التعظيم والأدب بإدخال الجمل في المسجد وخطابه بأيكم محمد وبابن عبد المطلب ، انتهى .
قلت : لا يخلو ضمام إما أنه قدم مسلما وإما غير مسلم ؛ فإن كان الأول فإنه يحمل ما صدر منه من هذه الأشياء على أنه لم يكن في ذلك الوقت وقف على أمور الشرع ولا على النهي ، وهو قوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا على أنه كانت فيه بقية من جفاء الأعراب وجهلهم ، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه .
واختلفوا هل كان مسلما عند قدومه أم لا ؟ فقال جماعة : إنه كان أسلم قبل وفوده ، حتى زعمت طائفة منهم أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه وأنه جاء يعرض على النبي عليه السلام ، ولهذا بوب عليه باب القراءة والعرض على المحدث ، ولقوله آخر الحديث " آمنت بما جئت به ، وأنا [2/22] رسول من ورائي من قومي " ، وإن هذا إخبار وهو اختيار البخاري ، ورجحه القاضي عياض .
وقال جماعة أخرى : لم يكن مسلما وقت قدومه ، وإنما كان إسلامه بعده لأنه جاء مستثبتا ، والدليل عليه ما في حديث ابن عباس - رواه ابن إسحاق وغيره - وفيه أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة ... الحديث ، وفي آخره " حتى إذا فرغ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " .
وأجابوا عن قوله " آمنت " بأنه إنشاء وابتداء إيمان لا إخبار بإيمان تقدم منه ، وكذلك قوله " وأنا رسول من ورائي " ، ورجحه القرطبي لقوله في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره " فإن رسولك زعم " ، قال : والزعم القول الذي لا يوثق به - قاله ابن السكيت وغيره ، وقال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضا كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب . قلت : أصل وضعه كما قاله ابن السكيت ، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة .
وأجابوا أيضا عن قولهم " إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه " بأنه لا يلزم من تبويب البخاري ما ذكروه ؛ لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه أعم من أن يكون تقدمت له أو ابتدأ الآن على الشيخ بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره . وقالوا : قد بوب أبو داود عليه " باب المشرك يدخل المسجد " ، وهو أيضا يدل على أنه لم يكن مسلما قبل قدومه .
وقد مال الكرماني إلى مقالة الأولين حيث قال : فإن قلت : من أين عرف حقيقية كلام الرسول عليه السلام وصدق رسالته ؛ إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة ، وهذا الإيمان لا يفيد إلا تأكيدا وتقريرا ؟ قلت : الرجل كان مؤمنا عارفا بنبوته عالما بمعجزاته قبل الوفود ، ولهذا ما سأل إلا عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس وعن شرائع الإسلام . قلت : عكسه القرطبي فاستدل به على إيمان المقلد بالرسول ولو لم تظهر له معجزة ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح .
قوله " وأنا ضمام بن ثعلبة " بكسر الضاد المعجمة ، وثعلبة - بالثاء المثلثة المفتوحة والباء الموحدة - أخو بني سعد بن بكر السعدي ، قدم على النبي عليه السلام - بعثه إليه بنو سعد - فسأله عن الإسلام ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا . وقال ابن عباس : ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة .
قال ابن إسحاق : وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع - وهو قول أبي عبيدة والطبري وغيرهما ، وقال الواقدي : كان سنة خمس - وهو قول محمد بن حبيب ، وفيه نظر من وجوه ؛ الأول : أن في رواية مسلم أن ذلك كان حين نزل النهي في القرآن عن سؤال الرسول عليه السلام ، وآية النهي في المائدة ، ونزولها متأخر .
الثاني : أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ، ومعظمه بعد فتح مكة شرفها الله .
الثالث : أن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم ، ولم يدخل بنو سعد بن بكر بن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة حنين ، وكانت في شوال سنة ثمان .
قوله " أخو بني سعد بن بكر " بن هوازن ، وهم أخوال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وفي العرب سعود قبائل شتى ؛ منها سعد تميم وسعد هذيل وسعد قيس وسعد بكر هذا ، وفي المثل " بكل واد بنو سعد " .
بيان استنباط الأحكام ، وهو على وجوه :
الأول : قال ابن الصلاح : فيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون ، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا للمعتزلة ؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ، ولم ينكره عليه ولا قال له يجب عليك معرفة ذلك بالنظر إلى معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية .
الثاني : قال ابن بطال : فيه قبول خبر الواحد ؛ لأن قومه لم يقولوا له لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر .
الثالث : قال أيضا : فيه جواز إدخال البعير في المسجد ، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها ؛ إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد . قلت : هذا احتمال لا يحكم به في باب الطهارة ، على أنا قد بينا أن المراد من قوله " في المسجد " في الحديث - في رحبة المسجد ونحوها .
الرابع : فيه جواز تسمية الأدنى للأعلى دون أن يكنيه ، إلا أنه نسخ في حق الرسول عليه السلام بقوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
الخامس : فيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس .
السادس : فيه ما كان للنبي عليه السلام من ترك التكبر ؛ لقوله " ظهرانيهم " .
السابع : فيه جواز تعريف الرجل بصفة من البياض والحمرة والطول والقصر ، ونحو ذلك .
الثامن : فيه الاستحلاف على الخبر لعلم اليقين ، وفي مسلم " فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : نعم " .
التاسع : فيه التعريف [2/23] بالشخص ؛ فإنه قال " أيكم محمد ؟ " وقال : " ابن عبد المطلب " .
العاشر : فيه النسبة إلى الأجداد ؛ فإنه قال " ابن عبد المطلب " ، وجاء في صحيح مسلم " يا محمد " .
الحادي عشر : استنبط منه الحاكم طلب الإسناد العالي ولو كان الراوي ثقة ، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى رحل بنفسه وسمع ما بلغه الرسول عنه . قيل : إنما يتم ما ذكره إذا كان ضمام قد بلغه ذلك أولا . قلت : قد جاء ذلك مصرحا به في رواية مسلم .
الثاني عشر : فيه تقديم الإنسان بين يدي حديثه مقدمة يعتذر فيها ليحسن موقع حديثه عند المحدث ، وهو من حسن التوصل ، وإليه الإشارة بقوله " إني سائلك فمشدد عليك " .
الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : قال " على فقرائنا " ، وأصناف المصرف ثمانية لا تنحصر على الفقراء ! وأجيب بأن ذكرهم باعتبار أنهم الأغلب من سائر الأصناف ، أو لأنه في مقابلة ذكر الأغنياء .
ومنها ما قيل : لِمَ لَمْ يذكر الحج ؟ أجيب بأنه كان قبل فرضية الحج ، أو لأنه لم يكن من أهل الاستطاعة له - قاله الكرماني . قلت : لم يذكر الحج في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت عن أنس ، وهو أنس ، وهو في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضا ، وما قاله الكرماني هو منقول عن ابن التين ، والحامل لهم على ذلك ما روي عن الواقدي من أن قدوم ضمام كان سنة خمس ، وقد بينا فساده .
ومنها ما قيل : لم لم يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة ، وقد قال الله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ؟ وأجيب بأوجه ؛ الأول : أنه لم يكن آمن بعد .
الثاني : أنه باق على جفاء الجاهلية ، لكنه لم ينكر عليه ولا رد عليه .
الثالث : لعله كان قبل النهي عن مخاطبته عليه السلام بذلك .
الرابع : لعله لم يبلغه ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . ويقال : إنما قال " ابن عبد المطلب " لأنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيكم ابن عبد المطلب ، فقال له النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب " ، فقال " ابن عبد المطلب " على ما رواه أبو داود في سننه من طريق ابن عباس أنه قال " أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب . فقال : يا ابن عبد المطلب " - وساق الحديث .
ومنها ما قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الانتساب إلى الكفار ، فكيف قال في هذا الحديث أنا ابن عبد المطلب ؟ وأجيب بأنه أراد به هاهنا تطابق الجواب السؤال ؛ لأن ضماما خاطبه بقوله " أيكم ابن عبد المطلب ؟ " فأجاب عليه السلام بقوله " أنا ابن عبد المطلب " . فإن قلت : كيف كان يكره ذلك وقد قال عليه السلام يوم حنين " أنا ابن عبد المطلب " ؟ قلت : لم يذكره إلا للإشارة إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته ، فذكرهم بها وبخروج الأمر على الصدق .
ومنها ما قيل : ما فائدة الأيمان المذكورة ؟ وأجيب بأنها جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقار إليها ، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة كقوله : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ، قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
ومنها ما قيل : هل النجدي السائل في حديث طلحة بن عبيد الله المذكور فيما مضى هو ضمام بن ثعلبة أو غيره ؟ أجيب بأن جماعة قد قالوا : إنه هو إياه ، والنجدي هو ضمام بن ثعلبة . ومال إلى هذا ابن عبد البر والقاضي عياض وغيرهما ، وقال القرطبي : يبعد أن يكونا واحدا لتباين ألفاظ حديثيهما ومساقهما .
رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بهذا .

أي روى الحديث المذكور موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي وهو شيخ البخاري ، وقد مر ذكره ، وهو يروي هذا الحديث عن سليمان بن المغيرة أبي سعيد القيسي البصري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه . وأخرجه أبو عوانة في صحيحه موصولا بهذا الطريق ، وكذا ابن منده في الإيمان .
فإن قلت : لم علقه البخاري ولم يخرجه موصولا ؟ قلت : قال الكرماني : يحتمل أن يكون البخاري يروي عن شيخه موسى بالواسطة فيكون تعليقا ، وفائدة ذكره الاستشهاد وتقوية ما تقدم . وقال بعضهم : إنما علقه البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة ؛ يعني شيخ موسى بن إسماعيل الذي هو شيخ البخاري . قلت : كيف يقول " لم يحتج به " وقد روى له حديثا واحدا عن ابن أبي إياس عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي صالح السمان قال : رأيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس " - الحديث ، ذكره في باب يرد المصلي من بين يديه .
وقال أحمد بن حنبل فيه : ثبت ثبت ، ثقة ثقة . وقال ابن سعد : ثقة ثبت . وقال [2/24] شعبة : سيد أهل البصرة . وقال أبو داود الطيالسي : كان من خيار الناس . سمع الحسن وابن سيرين وثابت البناني ، روى عنه الثوري وشعبة ، وتوفي سنة خمس وستين ومائة ، روى له الجماعة .
قوله " وعلي بن عبد الحميد " عطف على " موسى " ، وروى الحديث المذكور أيضا علي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه ، وأخرجه الترمذي موصولا من طريقه ، وأخرجه الدارمي عن علي بن عبد الحميد - إلخ ، وهو علي بن عبد الحميد بن مصعب أبو الحسين المعني - بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها ياء النسبة ، نسبة إلى معن بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، قال الرشاطي : المعني في الأزد وفي طي وفي ربيعة ؛ فالذي في أزد معن بن مالك والذي في طي معن بن عتود بن غسان بن سلامان بن نفل بن عمرو بن الغوث بن طي ، والذي في ربيعة معن بن زائدة بن عبدالله بن زائدة بن مطر بن شريك ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وقالا : هو ثقة . وقال ابن عساكر : روى عنه البخاري تعليقا ، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين . قلت : ليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق ، وأما ثابت البناني فهو ابن أسلم أبو حامد البناني البصري العابد ، سمع ابن الزبير وابن عمر وأنسا وغيرهم من الصحابة والتابعين ، روى عنه خلق كثير . وقال أحمد ويحيى وأبو حاتم : ثقة ، ولا خلاف فيه . توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ، روى له الجماعة والبناني - بضم الباء الموحدة وبالنونين ، نسبة إلى بنانة بطن من قريش . وقال الزبير بن بكار : كانت بنانة أمة لسعد بن لؤي ، حضنت بنيه فنسبوا إليها . وقال الخطيب : بنانة هم بنو سعد بن غالب ، وأم سعد بنانة .
قوله " بهذا " أشار به إلى معنى الحديث المذكور ؛ لأن اللفظ مختلف ، فافهم !