|
6 - حدثنا يحيى بن موسى ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، قال : حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال : لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي ، وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد . فقال العباس : إلا الإذخر ، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا الإذخر ، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال : اكتبوا لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه قلت للأوزاعي : ما قوله : اكتبوا لي يا رسول الله ، قال : هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مطابقته للترجمة في قوله : ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : يحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني البلخي يقال له خت . الثاني : الوليد بن مسلم بلفظ الفاعل من الإسلام . [12/276] الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي . الرابع : يحيى بن أبي كثير ، واسم أبي كثير صالح . الخامس : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع ، وهذا من الغرائب أن كل واحد من الرواة صرح بالتحديث ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن الوليد والأوزاعي شاميان ، ويحيى يمامي وأبو سلمة مدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه ثلاثة من المدلسين على نسق واحد . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الحج عن زهير بن حرب ، وعبيد الله بن سعيد ، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، عن الوليد بن مسلم به إلا أنه لم يذكر قصة أبي شاه ، وفي العلم عن مؤمل بن الفضل ، عن الوليد بن مسلم به مختصرا ، وعن علي بن سهل الرملي ، عن الوليد بن مسلم ، وفي الديات عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، عن الأوزاعي ببعضه ، وأخرجه الترمذي في الديات عن محمود بن غيلان ، ويحيى بن موسى كلاهما عن الوليد بن مسلم ببعضه ، وفي العلم بهذا الإسناد ، وأخرجه النسائي في العلم عن العباس بن الوليد بن يزيد ، عن أبيه ، وعن محمد بن عبد الرحمن ، وعن أحمد بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الديات عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم عن الوليد بن مسلم ببعضه من قتل له قتيل إلى ، قوله : يفدى . ( ذكر معناه ) قوله : " لما فتح الله على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة قام في الناس " ظاهره أن الخطبة وقعت عقيب الفتح وليس كذلك ، بل وقعت بعد الفتح عقيب قتل رجل من خزاعة رجلا من بني ليث ، والدليل على ذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة من وجه آخر في العلم ، في باب كتابة العلم عن أبي نعيم ، عن شيبان ، عن يحيى ، عن سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال : إن الله قد حبس عن مكة الفيل أو القتل ... الحديث ، قوله : " القتل " في رواية الأكثرين بالقاف وبالتاء المثناة من فوق ، وفي رواية الكشميهني بالفاء وبالياء آخر الحروف ، والمراد به الفيل الذي أخبر الله في كتابه في سورة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ قوله : " لا تحل لأحد كان قبلي " كلمة " لا " بمعنى " لم " أي لم تحل ، قوله : " ولا ينفر " على صيغة المجهول من التنفير ، يقال : نفر ينفر نفورا ونفارا إذا فر وذهب ، قوله : " ولا تحل " على بناء المعلوم ، والساقطة هي اللقطة ، قوله : " إلا لمنشد " أي لمعرف ، يعني لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط ، لا لمن أراد أن يتملكها ، قوله : " من قتل له قتيل " قد مر أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا لما أخبر أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم أي بسبب قتيل منهم ، قوله : " فهو بخير النظرين " أي بخير الأمرين يعني القصاص والدية ، فأيهما اختار كان له ، إما أن يفدى على صيغة المجهول أي يعطى له الفدية أي الدية ، وفي رواية للبخاري وغيره : إما أن يودى له ، من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، وإما أن يقيد أي يقتص من القود ، وهو القصاص ، وفي رواية : وإما أن يقاد له ، قوله : " فقام أبو شاه " بالهاء لا غير قال النووي : وقد جاء في بعض الروايات بالتاء وكذا عن ابن دحية ، وفي المطالع : وأبو شاه مصروفا ، ضبطه بعضهم ، وقرأته أنا معرفة ونكرة ، قلت : معنى قوله مصروفا أنه بالتنوين ، ومعنى شاه بالفارسية ملك ، ويجمع على شاهان ، وقد ورد النهي عن القول بشاهان شاه يعني ملك الملوك ، ويقدم المضاف إليه على المضاف في اللغة الفارسية . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهذا الحديث مشتمل على أحكام : منها أحكام تتعلق بحرم مكة ، وقد مر أبحاثه في كتاب الحج . ومنها ما يتعلق باللقطة ، وقد مر أبحاثها في كتاب اللقطة . ومنها ما يتعلق بكتاب أبي شاه وقد مر في كتاب العلم . ومنها ما يتعلق بالقصاص والدية ، وهو قوله : ومن قتل له قتيل ، وقد اختلفوا فيه ، وهو أن من قتل له قتيل عمدا فوليه بالخيار بين أن يعفو ويأخذ الدية ، أو يقتص رضي بذلك القاتل أو لم يرض ، وهو مذهب سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ومجاهد والشعبي والأوزاعي ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وقال ابن حزم : صح هذا عن ابن عباس ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم . [12/277] واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ، وقال إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن ذكوان ، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن شبرمة ، والحسن بن حيي ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله ، ليس لولي المقتول أن يأخذ الدية إلا برضى القاتل ، وليس له إلا القود أو العفو ، واحتج هؤلاء بما رواه البخاري عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية ، فكسرت سنها فعرضوا عليهم الأرش ، فأبوا فطلبوا العفو ، فأبوا فأتوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال : يا رسول الله ، أتكسر سن الربيع ، والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها ، فقال : يا أنس كتاب الله القصاص ، فعفا القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من عباد الله لو أقسم على الله لأبره " فثبت بهذا الحديث أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسول الله في العمد هو القصاص ، لأنه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص وبين أخذ الدية إذا لخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما حكم لها بالقصاص بعينه ، فإذا كان كذلك وجب أن يحمل ، قوله : فهو بخير النظرين ، إما أن يفدى ، وإما أن يقيد على أخذ الدية برضى القاتل حتى تتفق معاني الآثار ، ويؤيده ما رواه البخاري أيضا عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ، ولم يكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الآية ، وقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قوله : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني مما كتب على من كان قبلكم ، أو نقول التخيير من الشرع تجويز الفعلين وبيان المشروعية فيهما ، ونفي الحرج عنهما كقوله صلى الله عليه وسلم في الربويات : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " معناه تجويز البيع مفاضلة ومماثلة ، بمعنى نفي الحرج عنهما ، وليس فيه أن يستقل به دون رضى المشتري ، فكذا هنا جواز القصاص ، وجواز أخذ الدية ، وليس فيه استقلال يستغنى به عن رضى القاتل ( فإن قلت ) قد أخبر الله تعالى في الآية المذكورة أن للولي العفو واتباع القاتل بإحسان ، فيأخذ الدية من القاتل ، وإن لم يكن اشترط ذلك في عفوه ( قلت ) : العفو في اللغة البذل خُذِ الْعَفْوَ أي ما سهل ، فإذا المعنى فمن بذل له شيء من الدية فليقبل ، والإبذال لا يجب إلا برضى من يجب له ورضى من يجب عليه .
|