|
[1/116] ( وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر )
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما القرشي العدوي المكي ، وأمه وأم أخته حفصة زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون ، أسلم بمكة قديما مع أبيه وهو صغير وهاجر معه ، ولا يصح قول من قال : إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله ، واستصغر عن أحد وشهد الخندق وما بعدها ، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية ، وأحد العبادلة الأربعة ، وثانيهم ابن عباس ، وثالثهم عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورابعهم عبد الله بن الزبير . ووقع في مبهمات النووي وغيرها أن الجوهري أثبت ابن مسعود منهم وحذف ابن عمرو وليس كما ذكره كما ذكرناه فيما مضى ، ووقع في شرح الرافعي في الجنايات عد ابن مسعود منهم ، وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاص وهو غريب منه . روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا ، اتفقا منهما على مائة وسبعين حديثا ، وانفرد البخاري بأحد وثمانين ومسلم بأحد وثلاثين ، وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة ، مات بفخ بالفاء والخاء المعجمة موضع بقرب مكة . وقيل : بذي طوى سنة ثلاث ، وقيل : أربع وسبعين سنة بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر ، وقيل : بستة عن أربع ، وقيل : ست وثمانين سنة . قال يحيى بن بكير : توفي بمكة بعد الحج ودفن بالمحصب ، وبعض الناس يقولون : بفخ ، قلت : وقيل : بسرف ، وكلها مواضع بقرب مكة بعضها أقرب إلى مكة من بعض . قال الصغاني : فخ وادي الزاهر وصلى عليه الحجاج ، وفي الصحابة أيضا عبد الله بن عمر حرمي ، يقال : إن له صحبة ، يروى عنه حديث في الوضوء ، وقد روى مسلم معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما من حديث النواس بن سمعان ، قال : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ؟ فقال : البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " . قوله " التقوى " هي الخشية ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا ومثله في أول الحج والشعراء : إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قول هود وصالح ولوط وشعيب لقومهم ، وفي العنكبوت وإبراهيم : إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ يعني اخشوه ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ، وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ وحقيقة التقوى أن يقي نفسه تعاطي ما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك وتأتي في القرآن على معاني الإيمان ؛ نحو قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى أي التوحيد والتوبة ؛ نحو قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا أي تابوا ، والطاعة نحو : أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ وترك المعصية نحو قوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ أي ولا تعصوه ، والإخلاص نحو قوله تعالى : فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أي من إخلاص القلوب ، فإن قلت : ما أصله ؟ قلت : أصله من الوقاية وهو فرط الصيانة ، ومنه المتقي اسم فاعل من وقاه الله فاتقى ، والتقوى والتقى واحد ، والواو مبدلة من الياء والتاء مبدلة من الواو إذ أصله وقيا ، قلبت الياء واوا فصار وقوى ، ثم أبدلت من الواو تاء فصار تقوى ، وإنما أبدلت من الياء واوا في نحو تقوى ولم تبدل في نحو ريا ؛ لأن ريا صفة وإنما يبدلون الياء في فعلى إذا كان اسما والياء موضع اللام كشروى من شريت وتقوى لأنها من التقية ، وإن كانت صفة تركوها على أصلها . قوله " حتى يدع " أي يترك ، قال الصرفيون : وأماتوا ماضي يدع ويذر ، ولكن جاء مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ بالتخفيف . قوله " حاك " بالتخفيف من حاك يحيك ، ويقال : حك يحك ، وأحاك يحيك . يقال : ما يحيك فيه الملام أي ما يؤثر ، وقال شمر : الحائك الراسخ في قلبك الذي يهمك ، وقال الجوهري : حاك السيف وأحاك بمعنى ، يقال : ضربه فما حاك فيه السيف إذا لم يعمل فيه ، فالحيك أخذ القول في القلب . وفي بعض نسخ المغاربة : صوابه ما حك بتشديد الكاف ، وفي بعض نسخ العراقية : ما حاك بالتشديد من المحاكة ، وقال النووي : ما حاك بالتخفيف هو ما يقع في القلب ولا ينشرح له صدره وخاف الإثم فيه . وقال التيمي : حاك في الصدر أي ثبت ، فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة للإيمان سالمة من الشكوك . وقال الكرماني : حقيقة التقوى أي الإيمان لأن المراد من التقوى وقاية النفس عن الشرك ، وفيه إشارة إلى أن بعض المؤمنين بلغوا إلى كنه الإيمان وبعضهم لا ، فتجوز الزيادة والنقصان ، وفي بعض الروايات قال : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان . بدل التقوى .
|