423 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ أَخَوَانِ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَمْ يَكُنْ الْآخَرُ مُسْلِمًا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَانَ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ ، إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَذْبٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ ؟

[1/602] 423 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَجُلَانِ أَخَوَانِ فَهَلَكَ ) أَيْ مَاتَ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ لَيْسَتْ مُسْتَنْكَرَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَالزَّمَنِ الْقَدِيمِ ، قَالَ تَعَالَى : حَتَّى إِذَا هَلَكَ ( سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 34 ) ، فَأَمَّا الْآنَ فَاسْتَعْمَلُوهَا فِيمَنْ مَاتَ كَافِرًا أَوْ ظَاهِرًا فُجُورُهُ ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا الْآنَ فِي الْمُسْلِمِ الْمَيِّتِ .
( أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَذُكِرَتْ فَضِيلَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِيهِ جَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْإِخْبَارِ بِفَضْلِهِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ " ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الثَّنَاءُ بِفِعْلِهِ وَلَا يُخْبِرُ بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَغِيبٌ عَنَّا ، وَأَمَّا الْحَيُّ فَإِنْ خِيفَ فِتْنَتُهُ بِذِكْرِ مَحَاسِنِهِ مُنِعَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ سَمِعَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمَدْحِ : " أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ " ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ جَازَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ " ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ .
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( " أَلَمْ يَكُنِ الْآخَرُ " ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْوَفَاةِ وَفَتْحِهَا ؛ أَيِ : الْأَخِّ الَّذِي تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ ، عَنْ أَخِيهِ ( مُسْلِمًا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَانَ لَا بَأْسَ بِهِ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّخَاطُبِ فِيمَا يَقْرُبُ مَعْنَاهُ ، وَلَا يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ بِتَفْضِيلِهِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَمَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ ) فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةَ الَّتِي عَاشَهَا بَعْدَ أَخِيهِ ( إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ؛ أَيْ : كَثِيرِ الْمَاءِ ( عَذْبٍ بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَقْتَحِمُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا تَرَوْنَ ذَلِكَ يُبْقِي ) بِالْبَاءِ لَا بِالنُّونِ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( مِنْ دَرَنِهِ ) أَيْ : وَسَخِهِ ( فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ بِهِ صَلَاتُهُ ) أَعَادَهُ زِيَادَةَ تَأْكِيدٍ فِي الْبُعْدِ عَنِ التَّفْضِيلِ بِلَا عِلْمٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبَ أَنْقَى لِلدَّرَنِ ، كَمَا أَنَّ الْكَثِيرَ أَشَدُّ إِنْقَاءً مِنَ الْيَسِيرِ .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : خَطَرَ بِبَالِي تَقْصِيرِي فِي الْأَعْمَالِ فَكَبَرَ عَلَيَّ ، فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي آتِيًا أَتَانِي فَضَرَبَ بَيْنَ كَتِفِي ، وَقَالَ : قَدْ أَكْثَرْتَ فِي الْعِبَادَةِ ؛ أَيُّ عِبَادَةٍ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي جَمَاعَةٍ .
قَالَ أَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا تُحْفَظُ قِصَّةُ الْأَخَوَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ إِلَّا فِي بَلَاغِ مَالِكٍ هَذَا ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْبَزَّارُ وَقَطَعَ بِأَنَّهُ لَا [1/603] يُوجَدُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ الْبَتَّةَ ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَرَاسِيلَ مَالِكٍ أُصُولُهَا صِحَاحٌ وَجَائِزٌ أَنْ يَرْوُوا هَذَا الْحَدِيثَ سَعْدٌ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ سَوَاءً ، وَأَظُنُّ مَالِكًا أَخَذَهُ مِنْ كُتِبِ بُكَيْرٍ أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْهُ مَخْرَمَةُ ابْنُهُ ، فَإِنَّ ابْنَ وَهْبٍ انْفَرَدَ بِهِ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ فِيمَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَتُحْفَظُ قِصَّةُ الْأَخَوَيْنِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، انْتَهَى .