[3/5] كِتَابَةُ الْحَدِيثِ وَضَبْطُهُ .
بِالشَّكْلِ وَنَحْوِهِ وَمَا أُلْحِقَ بِذَلِكَ مِنَ الْخَطِّ الدَّقِيقِ وَالرَّمْزِ وَالدَّارَةِ ، مِمَّا سَنُبَيِّنُ أَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الضَّبْطِ وَمِنْ آدَابِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى الضَّبْطِ
.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ( وَاخْتَلَفَ الصِّحَابُ ) ؛ أَيِ : الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا - جَمْعُ صَاحِبٍ ، كَجِيَاعٍ وَجَائِعٍ ، وَيُقَالُ : إِنَّ الْكَسْرَ فِي صِحَابٍ وَالْفَتْحَ فِي صَحَابَةٍ أَكْثَرُ ، ( وَ ) كَذَا ( الْأَتْبَاعُ ) لِلصَّحَابَةِ ( فِي كِتْبَةِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ؛ أَيْ : كِتَابَةِ ( الْحَدِيثِ ) وَالْعِلْمِ عَمَلًا وَتَرْكًا .
فَكَرِهَهَا لِلتَّحْرِيمِ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ النَّفِيسِ - غَيْرُ وَاحِدٍ .
فَمِنَ الصَّحَابَةِ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ .
[3/6] وَمِنَ التَّابِعِينَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، بَلْ أَمَرُوا بِحِفْظِهِ عَنْهُمْ كَمَا أَخَذُوهُ حِفْظًا ، مُتَمَسِّكِينَ بِمَا ثَبَتَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ ، مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ) . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتْبِ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ .
[3/7] وَأَجَازَهَا بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ .
فَمِنَ الصَّحَابَةِ : عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَنَسٌ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَكَذَا ابْنُ عُمَرَ أَيْضًا .
[3/8] وَمِنَ التَّابِعِينَ : قَتَادَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بَلْ حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْفَرِيقَيْنِ .
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا صَحَّ : ( قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ ) ، بَلْ رُوِيَ رَفْعُهُ ، وَلَا يَصِحُّ .
وَقَالَ أَنَسٌ : ( كَتْبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ) .
[3/9] ( وَ ) لَكِنِ ( الْإِجْمَاعُ ) مُنْعَقِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ ( عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ ) ، أَيْ : بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا زَادَهُ الذَّهَبِيُّ .
( بِالْجَزْمِ ) فِي حِكَايَتِهِ بِدُونِ تَرَدُّدٍ بِحَيْثِ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ ، كَمَا أَجْمَعَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى جَوَازِهَا فِي الْقُرْآنِ لِـ ( أَدِلَّةٍ ) مُنْتَشِرَةٍ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى فَضْلِ تَدْوِينِ الْعِلْمِ وَتَقْيِيدِهِ .
كَـ ( قَوْلِهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَصَحُّهَا : ( اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ) - يَعْنِي بِهَاءٍ مُنَوَّنَةٍ فِي الْوَقْفِ وَالدَّرْجِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ - أَيِ : الْخُطْبَةُ الَّتِي سَمِعَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُدَّعَى فِيهِ أَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ .
وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : ( ائتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ ) .
[3/10] ( وَ ) لِـ ( كَتْبِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ( السَّهْمِيِّ ) نِسْبَةً لِسَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ ، كَمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : ( مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنِّي ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ . وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ) . كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُهُ مِنْكَ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ، فَإِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا ) .
وَكَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُسَمِّي صَحِيفَتَهُ تِلْكَ الصَّادِقَةَ ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ احْتِرَازًا عَنْ صَحِيفَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
بَلْ رُوِيَ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِمَّا ضَعَّفَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا [3/11] شَكَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمَ الْحِفْظِ ، فَقَالَ لَهُ : ( اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ ) . وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : ( هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَبْتُهَا وَعَرَضْتُهَا ) .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ ، وَأَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ .
وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ : ( مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ) .
وَلِقَوْلِ قَتَادَةَ إِذْ سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أَأَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ ؟ وَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْبَأَكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ بِأَنَّهُ قَدْ كَتَبَ ؟ ! وَقَرَأَ : فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى .
وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيُّ : يَعِيبُونَ عَلَيْنَا أَنْ نَكْتُبَ الْعِلْمَ أَوْ نُدَوِّنَهُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ !
[3/12] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ فَارِسٍ فِي مَآخِذِ الْعِلْمِ : فَاكْتُبُوهُ ؛ حَيْثُ قَالَ : فَجَعَلَ كِتَابَةَ الدَّيْنِ وَأَجَلَهُ وَكَمِّيَّتَهُ مِنَ الْقِسْطِ عِنْدَهُ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ قِيامًا لِلشَّهَادَةِ وَنَفْيًا لِلِارْتِيَابِ ؛ لِقَوْلِهِ : ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا .
قُلْتُ : وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ .
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : وَأعَلَى مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ فَقَدْ فَسَّرَهُمَا الْحَسَنُ بِالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ( أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) .
[3/13] قَالَ بَعْضُهُمْ : وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَيِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ لِلْوِجَادَةِ : ( يَجِيءُ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا ) عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ مِنْ إِخْبَارِهِ عَمَّا سَيَقَعُ ، وَهُوَ تَدْوِينُ الْقُرْآنِ وَكَتْبُهُ فِي صُحُفِهِ ؛ يَعْنِي : وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ . وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اقْتَرَنَ مَعَهَا قِصَرُ الْهِمَمِ وَنَقْصُ الْحِفْظِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّمَنِ الْأَوَّلِ ؛ لِكَوْنِ الْعَرَبِ كَانُوا مَطْبُوعِينَ عَلَى الْحِفْظِ مَخْصُوصِينَ بِهِ ، بِحَيْثُ قَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنِّي لِأَمُرُّ بِالنَّقِيعِ فَأَسُدُّ أُذُنِي مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا [3/14] شَيْءٌ مِنَ الْخَنَا ، فَوَاللَّهِ مَا دَخَلَ أُذُنِي شَيْءٌ قَطُّ فَنَسِيتُهُ . وَكَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ نَحْوَهُ ، وَحَفِظَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَصِيدَةَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ :
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبَكِّرُ
. . . . .
فِي سَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا قِيلَ ، بَلْ بَلَغَنَا عَنِ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ حَفِظَ قَصِيدَةً مِنْ مَرَّةٍ ، [3/15] وَلَيْسَ أَحَدٌ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا ، فَخُشِيَ مِنْ عَدَمِ تَقْيِيدِهِ انْدِرَاسُهُ وَضَيَاعُهُ فَدُوِّنَ .
وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَلَاحٍ : وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدَرَسَ فِي الْأَعْصُرِ الْأَخِيرَةَ ، يَعْنِي : كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( انْظُرُوا مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبُوهُ ؛ فَإِنِّي خَشِيتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ ) .
وَقَالَ عِيَاضٌ : " وَالْحَالُ الْيَوْمَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْكِتَابَةِ لِانْتِشَارِ الطُّرُقِ وَطُولِ الْأَسَانِيدِ وَقِلَّةِ الْحِفْظِ وَكَلَالِ الْأَفْهَامِ " .
وَقَالَ الْخَطِيبُ : قَدْ صَارَ عِلْمُ الْكَاتِبِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَثْبَتُ مِنْ عِلْمِ الْحَافِظِ .
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ يَنِدُّ كَمَا تَنِدُّ الْإِبِلُ ، وَلَكِنَّ الْكَتْبَ لَهُ حُمَاةٌ ، وَالْأَقْلَامَ عَلَيْهِ رُعَاةٌ .
وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ : لَوْلَا الْكِتَابَةُ أَيُّ شَيْءٍ كُنَّا ؟ بَلْ قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ : كُلُّ مَنْ لَا يَكْتُبُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ .
وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : لَوْلَا الْكِتَابُ مَا حَفِظْنَا . لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ طُرُقًا ؛ أَحَدُهَا : أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِوَقْتِ نُزُولِ الْقُرْآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ ، وَالْإِذْنُ [3/16] فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِذَا خَصَّ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ بِحَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : النَّهْيُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مِنَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ يُضَاهَى بِهِ . يَعْنِي : فَحَيْثُ أُمِنَ الْمَحْذُورُ بِكَثْرَةِ حُفَّاظِهِ وَالْمُعْتَنِينَ بِهِ وَقُوَّةِ مَلَكَةِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ لِتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْتَنِعْ .
2 - أَوْ أَنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِكِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ تَأْوِيلَهُ فَرُبَّمَا كَتَبُوهُ مَعَهُ . قَالَ شَيْخُنَا : وَلَعَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَا قُرِئَ شَاذًّا فِي قَوْلِهِ تعالى : ( مَا لَبِثُوا حَوْلًا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) وَالْإِذْنُ فِي تَفْرِيقِهِمَا .
3 - أَوِ النَّهْيُ مُتَقَدِّمٌ ، وَالْإِذْنُ نَاسِخٌ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الِالْتِبَاسِ ، كَمَا جَنَحَ إِلَيْهِ ابْنُ شَاهِينٍ ، فَإِنَّ الْإِذْنَ لِأَبِي شَاهٍ كَانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ، وَاسْتُظْهِرَ لِذَلِكَ بِمَا رُوِى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَكْتُبُونَ . قَالَ شَيْخُنَا : وَهُوَ أَقْرَبُهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُنَافِيهَا .
4 - وَقِيلَ : النَّهْيُ لِمَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْحِفْظِ . وَالْإِذْنُ لِغَيْرِهِ ، وَقِصَّةُ أَبِي شَاهٍ حَيْثُ كَانَ الْإِذْنُ لَهُ لَمَّا سَأَلَ فِيهَا مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ .
5 - وَقِيلَ : النَّهْيُ خَاصٌّ بِمَنْ خُشِيَ مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ الْحِفْظِ ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ أُمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَلِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سَيُرِينَ أَنِّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْكِتَابَةِ بَأْسًا ، فَإِذَا حَفِظَ مَحَاهُ ، وَنَحْوُهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ وَغَيْرِهِمَا .
[3/17] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ : لَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ يَكْتُبُونَ ، إِنَّمَا كَانُوا يَحْفَظُونَ ، فَمَنْ كَتَبَ مِنْهُمُ الشَّيْءَ فَإِنَّمَا كَانَ لِيَحْفَظَهُ ، فَإِذَا حَفِظَهُ مَحَاهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ صَلَاحٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا تَتَلَاقَاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ :
6 - كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ فِي النَّهْيِ : إنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
[3/18] وَبِالْجُمْلَةِ فَالَّذِي اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، بَلْ قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْعِلْمِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ : إِنَّهُ تَعَيَّنَ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَتَحَتَّمَ . قَالَ غَيْرُهُمَا : وَلَا يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا يَصِيرَ لَهُ تَصَوُّرٌ وَلَا يَحْفَظَ شَيْئًا ، فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ :
لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا حَوَى الْقِمْطَرُ
مَا الْعِلْمُ إِلَّا مَا حَوَاهُ الصَّدْرُ
وَقَالَ آخَرُ :
اسْتَوْدَعَ الْعِلْمُ قِرْطَاسًا فَضَيَّعَهُ
وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ الْعِلْمِ الْقَرَاطِيسُ
وَلِذَا قَالَ ثَعْلَبٌ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ عَالِمًا فَاكْسَرِ الْقَلَمَ .
[3/19] وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ بِأَمْرِ من عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ .
ثُمَّ كَثُرَ التَّدْوِينُ ثُمَّ التَّصْنِيفُ ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ : يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَّخِذَ كِتَابَةَ الْعِلْمِ عِبَادَةً ، سَوَاءٌ تَوَقَّعَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا فَائِدَةٌ أَمْ لَا .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : وَإِنَّمَا لَمْ يَجْرِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَيْضًا فِي الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى حِفْظِهِ وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا ، وَذَلِكَ لِلَذَاذَةِ نَظْمِهِ وَإِيجَازِهِ ، وَحُسْنِ تَأْلِيفِهِ وَإِعْجَازِهِ ، وَكَمَالِ بَلَاغَاتِهِ ، وَحُسْنِ تَنَاسُبِ فَوَاصِلِهِ وَغَايَاتِهِ ، وَزِيَادَةِ التَّبَرُّكِ بِهِ ، وَطَلَبِ تَحْصِيلِ الْأُجُورِ الْعَظِيمَةِ بِسَبَبِهِ .